بين أطراف النهار وهدوء الليل، يبحث كثيرون عن دقائق قليلة بعيدًا عن ضغوط الحياة؛ جلسة أمام التلفزيون، أو تمرير سريع لشاشات الهواتف بحثًا عن مقطع على «تيك توك» أو إعلان يَعِد بحل سريع لمشكلة تؤرقهم.
في هذه المساحة الهادئة، يظهر إعلان يبدو للوهلة الأولى عاديًا. واحدة من مشهورات مواقع التواصل الاجتماعي تبتسم بثقة، وتتحدث إلى متابعيها كما لو كانت صديقة مقربة أو طبيبة موثوقة، فتروج تارة لعلاج يعد بخفض الوزن من دون عناء، وأخرى لكبسولات تمنح البشرة صفاءً سريعًا، أو مستحضر يَعِد بتخفيف الألم.
لا يحتاج الإعلان إلى كثير من الوقت حتى يتحول من مجرد محتوى عابر إلى توصية يثق بها المتابع. فالمؤثر الذي يدخل بيت المشاهد يوميًا، ويتحدث معه بلهجة ودودة، قد يحظى بثقة أكبر من إعلان تقليدي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمشكلة صحية يبحث صاحبها عن حل سريع لها.
لكن هذه الثقة قد تنقلب في لحظة. فمع بدء حملات التفتيش أو الكشف عن مخالفة بعض المنتجات، تختفي مقاطع كانت تروج لها، وتُحذف إعلانات من صفحات أصحابها، لتبدأ بعدها أسئلة المتابعين عن حقيقة ما اشتروا، ومصدره، وما إذا كان المنتج الذي دفعوا فيه أموالهم يخضع أصلًا للرقابة.
وهنا تظهر المشكلة الأوسع: ماذا يحدث عندما يتحول الهاتف أو شاشة التلفزيون إلى بوابة لبيع منتج طبي مجهول المصدر؟
إعلان ينتهي عند الشاشة.. ومخاطره تبدأ داخل الجسم
يقول رئيس شعبة الدواء، الدكتور علي عوف، إن انتشار الأدوية والمكملات المغشوشة أو غير المسجلة عبر منصات التواصل الاجتماعي يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الصحي للمواطن، نظرًا لصعوبة تتبع مكوناتها وتأثيراتها على أعضاء الجسم الحيوية.
وأشار «عوف»، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، إلى أن لجوء بعض المنتجين إلى القنوات غير الرسمية وصفحات «البلوجرز» يهدف إلى الهروب من قنوات الرقابة الصارمة لهيئة الدواء المصرية، التي تراجع التركيبات الصيدلانية ومدى مطابقتها للمواصفات القياسية.
ولا تتوقف المشكلة عند طبيعة المنتج نفسه، بحسب عوف، إذ إن طريقة وصوله إلى المواطن تمثل جزءًا أساسيًا من الأزمة؛ فالإعلان عبر شخص يحظى بمتابعة واسعة يمنح المنتج قدرًا من الثقة، حتى إذا لم يكن له مسار قانوني واضح في سوق الدواء.
الرقابة لا تبدأ وتنتهي عند هيئة الدواء
ويرى رئيس شعبة الدواء أن مواجهة الظاهرة لا تقف عند حدود هيئة الدواء وحدها، وإنما تحتاج إلى تكامل مؤسسي بين الجهات المعنية، وفي مقدمتها جهاز حماية المستهلك، وجهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لغلق منافذ الترويج للمنتجات المخالفة.
ويؤكد عوف أن خطورة هذه الإعلانات ترتبط أيضًا باستغلال الثقة التي يمتلكها بعض «المؤثرين» لدى متابعيهم، وهو ما دفع إلى تكثيف الرقابة المباشرة لوقف ما وصفه بنزيف التضليل.
حين يصبح «الترند» بوابة لمنتج طبي مجهول
المشكلة، وفق عوف، لا تُحل فقط بإغلاق صفحة أو حذف إعلان؛ لأن المخالف قد يعود بطريقة مختلفة بعد فترة قصيرة.
ويحذر من محاولات الالتفاف على الملاحقة القانونية عبر حذف مقاطع الفيديو بمجرد بدء الحملات التفتيشية، مؤكدًا أن الرصد الموثق مسبقًا يمثل دليلًا يمكن الاستناد إليه في إدانة المخالفين قانونيًا.
ويلفت إلى نمط آخر من التحايل، يتمثل في حذف محتوى اليوم والعودة غدًا بصفحة بديلة أو منتج مختلف، وهو ما يستوجب، بحسب رؤيته، التعامل مع أصل المشكلة وعدم الاكتفاء بإجراءات مؤقتة تنتهي بانتهاء موجة التفتيش.
الصيدليات المرخصة في مواجهة سوق مفتوح على الإنترنت
وبحسب نقابة الصيادلة، يؤكد عضو النقابة، الدكتور ثروت حجاج، أن مجرد الإعلان عن الأدوية، بغض النظر عن نوعها، يعد مخالفة صريحة لقانون مزاولة مهنة الصيدلة والقوانين العامة المعمول بها.
وأوضح «حجاج»، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، أن هذه الإعلانات تخلق عدة مشكلات، في مقدمتها التسويق لمنتجات مجهولة المصدر، مع ادعاء بعض المعلنين زورًا امتلاك تصاريح من وزارة الصحة، بينما لا تكون تلك التصاريح موجودة من الأساس.
وأشار عضو نقابة الصيادلة إلى أن الترويج لمنتجات مجهولة المصدر يشكل خطورة على صحة المواطنين، خصوصًا إذا تضمنت أدوية محظور تداولها محليًا، رغم توافرها في أسواق خارجية.
كما أوضح أن عددًا من المرضى يتعاملون مع الإعلانات المنتشرة عبر وسائل الإعلام والقنوات الفضائية باعتبارها مصدرًا موثوقًا، ما قد يدفعهم إلى تناول تلك المنتجات دون استشارة الطبيب المختص أو الصيدلي.
من يبيع الدواء خارج المنظومة الرسمية؟
ويتساءل حجاج عن الجهة التي منحت هؤلاء الأشخاص الحق في تسويق وبيع منتجات تحقق أرباحًا طائلة بملايين الجنيهات، وما إذا كان ذلك يتم بعيدًا عن الرقابة والالتزام الضريبي.
وأضاف أن هذا الوضع يمثل إهدارًا لحقوق الدولة، إذ تلتزم المنظومة الرسمية، المتمثلة في الصيدليات والشركات والمخازن، بسداد الضرائب المستحقة، بينما يعمل هؤلاء المعلنون خارج هذا الإطار القانوني.
وأكد أن هذه الممارسات تمثل خسارة لجميع أطراف المنظومة الصحية؛ للدولة، والمريض، والقطاع الصيدلي، خاصة أن المنافذ الشرعية المخولة قانونًا ببيع الأدوية هي الصيدليات المرخصة.
واختتم حجاج حديثه بالإشارة إلى أن الترويج المباشر للمنتجات الدوائية بأسمائها يمثل مشكلة حقيقية جرى التحذير منها مرارًا خلال السنوات الماضية، معتبرًا أن أي تحرك للتصدي لها يمثل خطوة إيجابية تدعم جهود هيئة الدواء.
«قطاع العلاج الحر»: لا تشتروا منتجات مجهولة عبر الإنترنت
وفي السياق نفسه، حذر قطاع العلاج الحر بوزارة الصحة، عبر منصاته الرسمية، من شراء أو استخدام المنتجات والمستحضرات الطبية والدوائية التي يتم الترويج لها عبر الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، أو القنوات الفضائية غير المرخصة، مشيرًا إلى أن الدولة تصنف هذه المنتجات ضمن ما يطلق عليه «بائعو الوهم».
وأوضح قطاع العلاج الحر أن الدولة تضع صحة المواطن في مقدمة أولوياتها، وتتصدى لهذه الممارسات التي تستهدف سلامة المواطنين من خلال الترويج لمنتجات غير مرخصة.
وحذر القطاع بشكل قاطع من استخدام هذه المستحضرات الدوائية، مؤكدًا أنها مجهولة المصدر ولا تخضع للرقابة الصحية، وأن استخدامها قد يشكل خطرًا على الصحة العامة، ويترتب عليه مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.
وأضاف أن هيئة الدواء تدرج أي إعلان عن منتج صحي أو للتخسيس أو دواء يتم تداوله عبر الإنترنت دون موافقة مسبقة ضمن قائمة الإعلانات المخالفة والمضللة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية وملاحقة أصحابها قضائيًا.
الحذف لا يمحو أثر الإعلان
وتشن لجان التفتيش التابعة للقطاع حملات مفاجئة لضبط مراكز التجميل والتخسيس التي تستخدم أو تروج لهذه المنتجات، بحسب ما أوضح القطاع، مشيرًا إلى أنه يتم غلق المنشآت المخالفة وتشميعها، وتحويل القائمين عليها إلى النيابة بتهم من بينها انتحال صفة طبيب وتداول أدوية مجهولة المصدر.
كما تمتد الإجراءات، وفق القطاع، إلى مواجهة المنصات والقنوات التي تروج لهذه المنتجات، بعقوبات قد تصل إلى الحجب والمنع من الظهور.
وبين إعلان ظهر أمام ملايين المتابعين، ومنتج يصل إلى يد مريض يبحث عن حل لمشكلته، تبدو المسألة أكبر من مجرد منشور يُحذف أو صفحة تُغلق. فكل إعلان يبيع للمواطن وعدًا صحيًا يحمل معه مسؤولية عن المعلومة التي يقدمها، ومصدر المنتج الذي يروّج له، والنتيجة التي قد تترتب على استخدامه.
وفي سوق يتغير فيه اسم الصفحة أسرع من قدرة المتابع على التحقق، يبقى السؤال الأهم: هل تكفي حملات التفتيش وحذف الإعلانات لمواجهة تجارة المنتجات الطبية المجهولة، أم أن المطلوب هو سد الطريق من البداية أمام تحويل «الترند» إلى بوابة لبيع الوهم والدواء خارج المنظومة الرسمية؟