مع تسارع وتيرة التصعيد العسكري في المنطقة، يتردد في كواليس النقاشات الدولية تساؤل حارق: «هل تتدحرج المواجهة الحالية إلى غزو بري أمريكي شامل لإيران؟».
ورغم ضخامة السيناريو، فإن القراءة الدقيقة لتضاريس إيران وجغرافيتها الممتدة على مساحة مليون و648 ألف كيلومتر مربع، ما يعادل سدس مساحة أوروبا أو سدس مساحة الولايات المتحدة، تجعل من فكرة الاحتلال الشامل مغامرة شبه مستحيلة لألف سبب وسبب، لتبرز في المقابل فرضية «الإنزالات الخاطفة والعمليات الموضعية المحسوبة».
سيناريو غزو إيران مستبعد.. وواشنطن بدأت «العمليات التمهيدية»
قالت الدكتورة مونيكا وليم، الباحثة في العلوم السياسية، في حديثها لـ«القصة»، إنه عمليًا، ورغم تصاعد الضربات الأمريكية ضد إيران واتساع نطاق الأهداف العسكرية، فإن سيناريو الغزو البري الشامل واحتلال إيران لا يزال مستبعدًا بدرجة كبيرة من الناحية العسكرية والسياسية، مشيرة إلى أن التسريبات التي تتحدث عن دراسة إرسال قوات برية تركز في الغالب على عمليات محدودة، وليس على حملة احتلال واسعة على غرار العراق عام 2003.
وأكدت وليم أن واشنطن انتقلت بالفعل إلى مرحلة العمليات التمهيدية التي تستهدف إضعاف الدفاعات الإيرانية وفتح المجال أمام خيارات عسكرية أكثر اتساعًا إذا لم تستجب طهران للضغوط السياسية وتعد إلى طاولة المفاوضات، موضحة أن الولايات المتحدة تدرك تمامًا أن أي محاولة لاحتلال إيران ستعني الدخول في حرب طويلة ومكلفة، تختلف جذريًا عن التجارب السابقة في العراق وأفغانستان.
وأضافت الباحثة في العلوم السياسية أن الهدف الأمريكي الحالي يبدو أقرب إلى إجبار إيران على تغيير سلوكها الاستراتيجي، وتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، والضغط على البرنامج النووي، وليس إسقاط الدولة الإيرانية أو السيطرة على أراضيها، مؤكدة أن هناك أربعة عوامل رئيسية تجعل خيار الغزو البري الشامل من أكثر الخيارات تعقيدًا في الحسابات الأمريكية:
أولًا: العامل الجغرافي المعقد: إيران تمتد على مساحة ضخمة تتجاوز 1.6 مليون كيلومتر مربع، أي إنها أكبر بأكثر من أربعة أضعاف مساحة العراق، وتتميز بتضاريس شديدة التعقيد تضم سلاسل جبلية شاهقة مثل «زاغروس والبرز»، وصحارى واسعة، ومناطق حضرية كثيفة السكان تمنح القوات الدفاعية مزايا كبيرة وتجعل تقدم أي قوة برية بطيئًا ومكلفًا للغاية.
ثانيًا: الحجم السكاني الضخم: يقترب عدد سكان إيران من 90 مليون نسمة، وهو ما يعني وجود قاعدة بشرية ضخمة يمكن تعبئتها عسكريًا، فضلًا عن احتمالات توسع المقاومة الشعبية في حال تعرض البلاد لغزو مباشر.
ثالثًا: العقيدة الدفاعية غير المتكافئة: تمتلك إيران عقيدة قائمة على الحرب غير المتكافئة، حيث لا تعتمد فقط على الجيش النظامي، وإنما على الحرس الثوري وقوات «الباسيج»، إلى جانب شبكة واسعة من الصواريخ والمسيّرات والأنفاق والمنشآت المحصنة، وبالتالي فإن أي قوات أمريكية لن تواجه جيشًا تقليديًا، بل ستصطدم بحرب عصابات معقدة.
رابعًا: الامتداد والضغط الإقليمي: إيران تمتلك أدوات ضغط قوية خارج حدودها عبر استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، أو تهديد الملاحة في الخليج، مما يعني أن أي غزو بري لن يبقى محصورًا داخل الأراضي الإيرانية، بل سيتحول سريعًا إلى صراع إقليمي واسع.
واشنطن غير مستعدة لكلفة بشرية جديدة.. وسيناريو «الحملة متعددة المراحل» هو الأقرب
وقالت وليم إن الولايات المتحدة نفسها لا تبدو مستعدة على الإطلاق لتحمل الكلفة البشرية الباهظة، خاصة بعد مقتل جنديين بالأمس في الأردن، ناهيك عن التأثيرات الاقتصادية والسياسية الصعبة لهذه العملية، لا سيما بعد التجارب الطويلة والمريرة في العراق وأفغانستان وما خلفته من استنزاف مالي وعسكري انعكس سلبًا على الرأي العام الأمريكي.
وأكدت أنه إذا استبعدنا الغزو البري الشامل، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا وواقعية يتمثل في «حملة عسكرية متعددة المراحل»، تقوم على زيادة الضغوط دون الانزلاق إلى احتلال مباشر، مستعرضة ملامح هذه المراحل:
المرحلة الأولى: استمرار وتكثيف الضربات الجوية والصاروخية ضد منظومات الدفاع الجوي، والقواعد البحرية، ومخازن الصواريخ، لتقليص قدرة طهران على الرد وتهيئة البيئة العملياتية لأي تحرك لاحق.
المرحلة الثانية: تشمل عمليات خاصة محدودة تنفذها قوات النخبة الأمريكية، سواء لاستهداف منشآت استراتيجية بعينها، أو محصنات جبلية مثل «بيك آكس»، أو للسيطرة المؤقتة على بعض الجزر الحيوية والاستراتيجية مثل «جزيرة خارك» في مضيق هرمز إذا رأت واشنطن أن ذلك ضروريًا لإعادة فتح المضيق وتأمينه.
المرحلة الثالثة: فرض حصار بحري وجوي أكثر تشددًا، مع تكثيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات، بحيث يصبح الضغط العسكري جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى دفع إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية أفضل.
وأضافت الباحثة في العلوم السياسية أن واشنطن ستواصل الاعتماد على الردع بعيد المدى عبر حاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية والصواريخ بعيدة المدى، بما يسمح لها بالحفاظ على الضغط العسكري المكثف دون تحمل أعباء انتشار بري واسع النطاق.
واختتمت وليم حديثها مؤكدة أن ما يجري حاليًا يمثل انتقالًا من مرحلة الردع المحدود إلى مرحلة الضغط العسكري المركب، لكنه لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة تتجه نحو احتلال إيران، مضيفة أن معادلة إدارة التصعيد دون الانزلاق إلى حرب احتلال هي الإطار الحاكم للاستراتيجية الأمريكية حاليًا، لأنها تحقق أكبر قدر من الضغط السياسي والنووي بأقل قدر ممكن من الكلفة العسكرية والسياسية.