أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

هبة الحسيني تكتب:

من وضع شرف الرجل بين ساقي المرأة؟

بعد مذبحة سوهاج.. قراءة في تاريخ مفهوم «جريمة الشرف»

من الذي وضع شرف الرجل بين ساقي امرأة؟ وكيف استسلم معشر الرجال لهذه الورطة التي اختزلت رجولتهم في تلك المساحة الضيقة، وتحت رحمة الفطرة؟ هل كان الذكور في الأصل ضحية أولى لفكرة صنعت منهم جلادين فيما بعد؟ فكرة «جريمة الشرف» التي تحولت إلى زنزانة افتراضية تحتجز الوعي الجمعي للرجال، ومقبرة تاريخية للنساء، لا تتوقف عن استقبال الضحايا، من عصور ما قبل الميلاد وحتى الآن.

يكفي أن يتعلم الطفل أن «شرف العائلة» مرتبط بسلوك نسائها، وأن العلاقة الجنسية للمرأة ليست شأنًا شخصيًا، فالرجل الذي يسمح لـ«حريمه» بالتصرف بحرية قد يصبح موضع سخرية أو اتهام. هنا يتحول جسد المرأة إلى مساحة عامة للرقابة.

أخبار ذات صلة

نقابة الصحفيين
بين المنع والتبرير.. ماذا جرى لصحفيي المنوفية في قرعة الحج؟
IMG-20260829-WA0042
بحر فاقوس يهدد منازل 15 أسرة.. هل يكفي سور خرساني لوقف الزحف؟
2cb48023-9a65-454d-ad5a-e3806cb76fa3_16x9_1200x676
القواعد الأمريكية حماية أم ورطة؟.. هل أصبح أمن الخليج رهينة للبيت الأبيض؟

ولا يعود السؤال: «ماذا فعلت؟»، بل: «ماذا فعلت بنا؟».

هذا التحول اللغوي بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل الفعل من كونه اختيارًا فرديًا إلى اعتباره اعتداءً على جماعة، ومن ثم يصبح العنف ضد الفرد، في نظرهم، «دفاعًا» عن الجماعة، وعن استمرار وجودها وماهيتها، فتستمر الوقائع في إنتاج نفسها بنفسها على مدار قرون.

جريمة «جبر الخواطر»

في صباح أحد أيام أغسطس، لم يكن ينافس حرارة الشمس إلا غليان الدماء في عروق ذلك الرجل الذي سيصبح، بعد ساعات معدودة، حديث الصحف والمواقع المحلية والعربية.

الواقعة حدثت في قرية بلصفورة التابعة لمحافظة سوهاج. وبسكين حاد، أنهى المتهم حياة ثلاثة أشخاص: زوجته ورجلين آخرين، ادعى أنها أقامت علاقة معهما.

تعددت ذرائع فريق دفاع المتهم وأقاربه؛ تارة يتحدثون عن مقاطع فيديو تثبت خيانة الزوجة، وتارة أخرى عن مكالمة مسجلة تعترف فيها بخطيئتها، ثم تحدث محامي المتهم عن وقوع الأخير تحت تأثير عقار مخدر يُعرف بـ«جبر الخواطر»، جعله في حالة غير طبيعية.

لكن في كل السيناريوهات السابقة، وفي وقائع شبيهة حدثت على مدار الأعوام المنصرمة، يتكرر تعبير «جريمة الشرف» على لسان الأفراد والجماعات، وتتداوله الصحف ومواقع التواصل، حتى المحامون والمتخصصون في الشأن القانوني لا يترددون في إطلاق ذلك «المصطلح» على وقائع أقدم فيها رجال على قتل الابنة، والأخت، والزوجة، وأحيانًا الطليقة، بذريعة أنها على علاقة غرامية أو جنسية أو زوجية برجل آخر.

وهنا يبرز مؤشّران خطيران؛ أولهما أن السلطة العقابية الذكورية امتدت أذرعها، في حالات، لتطال نساءً لم تعد تربطهن بالرجال الفارضين سطوتهم أي علاقة، لا أبوية ولا أخوية ولا زوجية، بل إن مرتكبي الجرائم في تلك الحالات منحوا العرف صلاحية أعلى في تبرير القتل.

وهذا ما رأيناه في وقائع أقدم، خلال إحداها أقدم قاضٍ سابق على قتل طليقته وزوجها الجديد، ثم وقف أمام المحكمة معلنًا استعداده لمواجهة المشنقة وهو مكتمل «الرجولة»، على حد تعبيره.

المؤشر الثاني، والأكثر خطورة، الذي يتضح من الوقائع المتتالية، هو الخلط الذي حدث في اللغة الشعبية والصحفية بين الوصف والتصنيف؛ فكثيرًا ما يجري التعامل مع تعبير «جريمة الشرف» ليس باعتباره «وصفًا» لنمط من الجرائم ودوافعها الاجتماعية، بل باعتباره «تصنيفًا» قانونيًا، على الرغم من أن قانون العقوبات المصري لم يُدرج تصنيفًا قانونيًا باسم «جريمة شرف»، ولم يضع لها عقوبة خاصة أو تعريفًا مستقلًا.

فمن أين جاء ذلك الخلط بين العرف والتشريع؟ وهل هو خلط محض؟ أم أن هناك ظلالًا من العرف تسللت بالفعل إلى النص الجنائي تحت مسميات أخرى من نفس حاضنة المعنى؟ فمتى وكيف أصبحت لقتل النساء أعذار في وعي المشرع والعامة؟

الجذر التشريعي لجريمة الشرف.. من روما إلى باريس

بالبحث عن النمط التشريعي الأول لدسترة مزاجية الجماهير حول المعنى الذي يرسخ داخلهم سلطة الذكر على جنسانية المرأة، نجد أن بذرته الأولى بدأت بتحويل تفسير دافع الجريمة الجنائي إلى تبرير، ثم تحويل التبرير إلى مطالبة باستثناء من العقوبة.

هذا المنطق التشريعي الذي قام عليه مفهوم جرائم الشرف لا يوجد نص يخدمه في التشريعات المصرية القديمة، لكن هناك نصوصًا يونانية ورومانية في حقبة ما قبل الميلاد تعطي ما يشبه «رخصة للقتل» في وقائع ترتبط بالعلاقة الجنسية.

القانون الأثيني في اليونان القديمة كان يسمح للرجل الذي يضبط رجلًا آخر متلبسًا بعلاقة جنسية مع زوجته أو ابنته أو أخته أو أمه أو جارية مخصصة لإنجاب أبناء أحرار بأن يقتله دون أن يعاقب باعتباره قاتلًا.

وفي تشريعات الإمبراطور الروماني أغسطس، خلال تعديلات يشير مؤرخون إلى أنها أُدخلت عام 17 قبل الميلاد، كان الزنا جريمة تخضع لتنظيم الدولة، مع عقوبات وإجراءات محددة. لكن اللافت أن القانون لم يترك سلطة العقاب العائلية بلا حدود؛ فقد منح الأب، في ظروف خاصة، حق قتل ابنته والرجل الذي ضُبط معها، أما الزوج فلم يكن يملك السلطة نفسها على زوجته، وإن كان القانون قد منحه، في حالات محددة، صلاحيات تجاه الرجل الذي يضبطه معها.

لكن السؤال هو: كيف كانت حدود تطبيق تلك التشريعات في مصر وقت الحكمين اليوناني والروماني لها؟

في متحف برلين، مجموعة برديات تعود للقرن الرابع الميلادي، وهي سجلات قضائية لمحاكمات وقعت في مصر خلال الحكم الروماني، من بينها واقعة أقدم فيها رجل على قتل زوجته بعد ضبطها مع عشيقها.

وبسبب التلفيات التي لحقت بالبردية، لم يستطع الباحثون الجزم بمنطوق الحكم النهائي: وهل لأن الضحيتين ثنائي في علاقة جنسية يقلل من كونهما مجنيًا عليهما؟ أو يمنح حكمًا مخففًا للجاني كونه مطعونًا في «شرفه»؟

لكن تشريعات أحدث تمنحنا تأصيلًا أدق حول جذر تلك المعاملة الجنائية الخاصة؛ فبعد أكثر من 18 قرنًا من إصدار القانون الأوغسطيني، جاء قانون نابليون في فرنسا ليعطي للزوج استثناءً قانونيًا يخفف العقوبة في حالة مفاجأته لزوجته وعشيقها في وضع تلبس بالزنا وإقدامه على القتل.

وسنلاحظ هنا تقاربًا بالغًا بين التشريع الفرنسي في القرن التاسع عشر وبين قانون مصري معاصر.

بين جريمة «الشغف» وجرائم «الشرف»

أتى الاستثناء الفرنسي المشار إليه ضمن خطاب قانوني يعطي تبريرًا لما أُطلق عليه «جريمة الشغف»، أي الجرائم التي ترتكب تحت تأثير الغيرة أو العاطفة، ما رآه المشرع الفرنسي وقتها عذرًا معتبرًا.

أما الاقتباس المصري الذي نُقل عنه في قوانيننا، والمتمثل في المادة رقم 237 من قانون العقوبات لسنة 1937، فقد جرت العادة على الإشارة إليها بوصفها تطبيقًا خاصًا لمعالجة ظرف جنائي يرتكب فيه الزوج فعلته «دفاعًا عن الشرف».

وتنص المادة على أن يعاقب الزوج القاتل لزوجته وشريكها حال تلبسهما بواقعة الزنا بالحبس بدلًا من العقوبات المقررة للقتل العمد، مراعاةً لحالة الصدمة التي يمر بها الزوج المغدور به، وهو ما يتطابق في الفكرة والبنية مع المنطق التشريعي الفرنسي القديم الذي لم يكتفِ بإرساء تبرير للقتل، بل مارس تمييزًا واضحًا ضد المرأة؛ فالزوجة لا تتمتع بالاستثناء ذاته، لا فرنسيًا ولا مصريًا، وكأنها كائن بلا شغف أو بلا شرف.

اللافت أن التشريع الفرنسي الأم الذي ولّد ذلك المنطق في القانون المصري أُلغي عام 1975، بينما لا تزال المادة 237 معمولًا بها في مصر، رغم الانتقادات المستمرة لها؛ أي أن الأصل انتهى، والفرع لا يزال ممتد الأثر في بيئة داعمة لنموه.

كما أن التسلسل التاريخي لشرعنة قتل المرأة تحت ظروف تمس الشرف أتى لنا من الغرب الأوروبي، وليس كما يظن البعض من الشرق الصحراوي، بعاداته وموروثاته الموغلة في السلطوية الذكورية. تخلصت أوروبا من تركة ثقيلة أهدرت دماء النساء، لكننا لا نزال نحتفظ بما وصلنا من ذاك الميراث الفكري.

فهل لتسلل الثقافة العربية القبلية مع دخول الإسلام إلى مصر علاقة بامتداد عمر «جريمة الشرف»؟

جريمة الشرف في الإسلام

التشريع الإسلامي، في نظامه العام، انتزع السلطة العقابية من العشيرة وجعلها من اختصاص النظام الحاكم أو ولي الأمر، وبشكل خاص وضع قيودًا صارمة في معالجة ما يُعرف بقضايا الزنا، ولم يفرّق في العقوبة بين الرجل والمرأة، كما أوجب شروطًا شديدة الصعوبة لتطبيق حد القتل في حالة الزاني المحصن؛ شروط تكاد تكون مستحيلة الحدوث عمليًا، بتوافر أربعة شهود عدول يرون عملية الإيلاج.

وعلى الرغم من ذلك، لا يزال البعض يعتبرون سفك دماء النساء تحت مسمى الشرف نوعًا من التدين وإقامة الحد الشرعي. تكفي صورة مفبركة أو حديث نميمة جانبي لوصم سمعة سيدة إلى الأبد، وإصدار حكم شعبي بالإعدام عليها، في تجاهل تام لتشريع إسلامي صريح يجرّم قذف المحصنات، فكأن المجتمع قد انتقى ما يحلو له من الأثر، ولحفه بعباءة الدين، لكي تبقى المرأة متهمة، والرجل خصمًا وقاضيًا وجلادًا في آن.

الشرف في عصر السوشيال ميديا

في زمن تُنقل فيه الجرائم في بث مباشر، هناك آلاف الأشخاص الذين يستطيعون، خلال ساعات، أن يحاكموا الضحية والمتهم معًا، وأن يقرروا من «يستحق» ومن «لا يستحق».

أصبح لدينا نوع جديد من الرقابة الاجتماعية: رقابة جماهيرية رقمية لا تنتظر حكم المحكمة. إنها تمنح القاتل تفسيرًا، ثم تقترب من منحه عذرًا، ثم تنقل المسؤولية من القاتل إلى الضحية.

المرحلة الحالية التي تموضع فيها مفهوم «جريمة الشرف» في خانة باتت أحيانًا، لدى شرائح من المجتمع، أكثر حصانة من المفهوم العقائدي الديني عن سلطة التجريم والعقاب، أو التشريع القانوني الوضعي المنظم لها، أو حتى آليات الضبط الاجتماعي.

فالقانون، في لبه التشريعي وقواعده العامة، إن لم يعد يعترف بـ«الشرف» باعتباره ترخيصًا مفتوحًا للقتل، إلا أن بقاء أثر هذا المفهوم في الوعي الاجتماعي يعني أن إلغاء النص لا يساوي بالضرورة إلغاء الفكرة.

تلك الفكرة التي لا تزال تغذي محاولات الدفع إلى توسيع «الاستثناء» القانوني وتأثيره، فحتى حين لا تنتج تلك المحاولات أثرًا في أحكام القضاء، فإنها تبقى مؤشرًا على تناقل فكرة تبرير قتل النساء عبر أجيال متتالية، ما يمنح كليهما، «الاستثناء والتبرير»، عمرًا أطول.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

سلاح
الدواء خلص والمواشي ماتت.. أسرة بسوهاج تستغيث "بالداخلية" لحماية منازلهم
أحمد بلال البرلسي
أحمد البرلسي ينتقد موافقة الحكومة على مشروع "أرض المستعمرة": مصممة تشتغل سمسار عقارات
أحمد منتصر
بين حصار الغرب وانفتاح الشرق.. المعركة الخفية بين أمريكا وإيران في عالم متعدد الأقطاب
images-1-2
مصر والسودان أمام اختبار "سدود النيل الأزرق" الأثيوبية.. ما العمل؟

أقرأ أيضًا

لجنة الحكام المصرية
الحكم المصري في قفص الاتهام.. كيف ضاعت الثقة بين الأندية ولجنة الحُكَّام؟
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
أخبار الطقس اليوم
طقس حار نهارا.. والعظمى بالقاهرة 37
32774342283_afb27b75c3_c
تصالحوا مع القانون.. فمَن يتصالح مع فاتورة الانتظار؟