واجهت منظومة التأمينات الاجتماعية على مدار عقود عددا من التحديات، أبرزها الجدل حول أموال التأمينات منذ عام 2005، وتدني قيم المعاشات، والتشابكات المالية مع الخزانة العامة للدولة وبنك الاستثمار القومي.
وفي عام 2014 بدأت خطوات إصلاح المنظومة، كان أبرزها فض التشابكات المالية، حيث سددت الخزانة العامة 330.5 مليار جنيه خلال عامي 2019/2020 و2020/2021، مع إدراج 180 مليار جنيه للقسط الثالث في موازنة 2021/2022.
وعلى المستوى التشريعي، صدر قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، متضمنا إنشاء هيئة مستقلة لإدارة النظام وصندوق لاستثمار أموال التأمينات، وفض التشابكات ومنع تكرارها، إلى جانب إقرار زيادات دورية للمعاشات والحفاظ على حقوق المستحقين وتشديد مواجهة التهرب التأميني، كما تم حل أزمة العلاوات الخمس بالقانون رقم 25 لسنة 2020 بتكلفة 35 مليار جنيه استفاد منها نحو 2.5 مليون مستفيد، إلى جانب إعفاءات من المبالغ الإضافية للمديونيات بقيمة تقارب 3 مليارات جنيه.
وفي ملف المعاشات، ارتفع الحد الأدنى من 300 جنيه عام 2013 إلى 900 جنيه عام 2019، ثم جاءت زيادات سنوية كان آخرها 13% في يوليو 2021، بتكلفة 31 مليار جنيه استفاد منها نحو 10.5 مليون مواطن.
كما اتجهت الهيئة إلى تطبيق الشمول المالي وتطوير خدمات الصرف، واستبدال بطاقات الصرف القديمة ببطاقات “ميزة”، إلى جانب التوسع في الخدمات الإلكترونية. وكان تحديث أنظمة الحاسب الآلي والتحول الرقمي أحد أبرز محاور التطوير، وصولا إلى إطلاق المنظومة الرقمية الجديدة في 2026، بالتزامن مع ظهور أزمة بطء بعض الخدمات وتراكم طلبات صرف المعاشات.
التحول الرقمي.. من تطوير الخدمة إلى بداية الأزمة
كما يأتي ضمن خطة التحول الرقمي، عملت الهيئة على إحلال نظام الحاسب الآلي القديم بنظام حديث يسمح بالربط مع قواعد بيانات باقي قطاعات الدولة، مثل مصلحة الأحوال المدنية والإدارة العامة للمرور، بهدف تقليل الاعتماد على المستندات الورقية وتوفير الوقت والجهد.
كما شملت خطة تطوير نظام المعلومات إعادة إطلاق الموقع الإلكتروني للهيئة، الذي يقدم 25 خدمة استعلام و5 خدمات تفاعلية، وإتاحة تقديم بعض الاستمارات إلكترونيا، إلى جانب إنشاء مركز احتياطي للطوارئ لمنظومة تكنولوجيا المعلومات.
وبحسب رد رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي على مجلس النواب، كانت هناك منظومتان منفصلتان لصندوقي المعاشات الحكومي والقطاع العام والخاص، وقد مضى على النظامين أكثر من 40 عاما، ومع تقادمهما وعدم تحديثهما وعدم توفر الكوادر الفنية القادرة على التعامل معهما، أصبح من الصعب الاستمرار في العمل بهما.
وفي هذا الإطار تم إطلاق منظومة التحول الرقمي الجديدة اعتبارا من 24 فبراير 2026، بهدف دمج الصندوقين وإنشاء قاعدة بيانات موحدة، وتطبيق الحوكمة وتبسيط الإجراءات، وتحقيق الشمول المالي، والسيطرة على عناصر النظام لمنع التحايل والانحرافات، والتوسع في الخدمات الرقمية، وتوفير بيانات صحيحة وموثوقة، والتمهيد لاستخدام الذكاء الاصطناعي في أداء الخدمات التأمينية.
وأكدت الهيئة أنها أجرت اختبارات للمنظومة، وشغلتها تجريبيا على مدار سنة ونصف، ودربت أكثر من 14 ألفا و600 موظف قبل التشغيل الفعلي.
بطء النظام وتأخر صرف المستحقات
بعد إطلاق المنظومة، أصدرت الهيئة بيانا بشأن تعطل “سيستم” المعاشات، أكدت فيه عدم وجود أعطال في المنظومة، وإنما بطء في أداء بعض الخدمات، مؤكدة أن المختصين يعملون على مدار الساعة بالتعاون مع الشركة المنفذة واستشاري المشروع ومركز البيانات لمعالجة المشكلة.
وشددت الهيئة على عدم توقف صرف المعاشات، مؤكدة أن معاش أبريل تم صرفه في موعده، وأن معاش مايو سيتم صرفه في المواعيد المقررة قانونا، في اليوم الأول من كل شهر.
أما بالنسبة لحالات استحقاق المعاش الجديدة، فأوضحت الهيئة أن صرف المعاشات والمكافآت سيتم تباعا، مع إرسال رسالة نصية إلى هاتف صاحب الشأن.
وفي المقابل، تقدم عدد من النواب بطلبات إحاطة بشأن تأخر صرف بعض المستحقات وتعطل الخدمات التأمينية.
تقدم النائب ضياء الدين داود، عضو مجلس النواب بطلب إحاطة، بشأن تأخر صرف معاشات المواطنين منذ فبراير 2026، في ظل ما وصفه بوجود مشكلات في النظام الإلكتروني الجديد للهيئة.
وأوضح داود أن الهيئة شهدت أزمة في تشغيل النظام الحاسوبي خلال الفترة من 18 فبراير حتى 29 مارس 2026، نتيجة الانتقال من نظام “SAIO” إلى نظام “CRM” ضمن خطة التحول الرقمي.
وأشار إلى أن عملية الانتقال كلفت موازنة الهيئة مئات الملايين من الجنيهات، إلى جانب برامج تدريب استمرت لسنوات، إلا أن نتائج التطبيق، بحسب طلب الإحاطة، لم تتجاوز نسبة نجاح محدودة لا تتخطى 5%، وهو ما انعكس على انتظام صرف المعاشات.
ولفت عضو مجلس النواب إلى أن الاضطرابات أدت إلى تأخر صرف مستحقات المعاشات للمستحقين الجدد وورثة المتوفين والعاجزين عن العمل، مطالبا بمساءلة المسؤولين عن بدء تنفيذ النظام دون جاهزية كاملة.
كما طالب بعرض طلب الإحاطة بصورة عاجلة داخل لجنة التضامن الاجتماعي، بحضور وزيرة التضامن الاجتماعي ورئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، للوقوف على أسباب الأزمة واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوق أصحاب المعاشات وصرف مستحقاتهم دون تأخير.
لجنة القوى العاملة تناقش الأزمة
وفي 18 مايو 2026، عقدت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب اجتماعا لمناقشة طلبات الإحاطة المقدمة من النواب أحمد البرلسي، ومحمد عامر، وأحمد السنجيدي، وأحمد فرغلي، وحسين غيتة، وعلي عبدالقادر، وسناء برغش، ومحمد هلال، ورمضان بطيئة، ولطفي شحاتة، ومحمد إسماعيل، وضياء الدين داود، وأسماء سعد الجمال، وإيهاب منصور، بشأن التضرر من تنفيذ برنامج تطوير الهيئة واستحداث برنامج “CRM” وإلغاء البرنامج القديم “SAIO”، وما ترتب على ذلك من تعطل الخدمات التأمينية وصرف معاشات المواطنين في بعض المحافظات.
ووجهت اللجنة الدعوة إلى رئيس الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية أو من يفوضه للرد على طلبات الإحاطة.
وفي رده، أوضح اللواء جمال عوض أن التشغيل الفعلي للمنظومة بدأ في 29 مارس، بعد تشغيل تجريبي لمدة سنة ونصف وتدريب أكثر من 14600 من العاملين.
وأشار إلى أن الأسبوع الأول من إطلاق المنظومة شهد استمرار أداء الخدمة دون توقف، مع وجود بطء أدى إلى تكدس وتزاحم بمكاتب التأمينات والمعاشات، قبل أن ينتظم العمل بالسرعات المطلوبة منذ 23 أبريل.
وبحسب بيان حجم الأعمال الذي قدمه رئيس الهيئة، بلغ عدد الطلبات المستلمة من الجمهور منذ 24 فبراير وحتى ذلك الوقت نحو مليون و52 ألف طلب، تم إنجاز نحو 420 ألف طلب منها، بينما بلغ عدد الطلبات تحت التنفيذ نحو 673 ألف طلب.
وأكد رئيس الهيئة أنه سيتم الانتهاء من جميع التراكمات خلال فترة لا تزيد على شهر، وبعدها سيتم الانتهاء من جميع الخدمات خلال 24 ساعة من استلامها، مشيرا إلى تنفيذ صرفية المعاشات الشهرية لشهر مايو من خلال المنظومة الجديدة.
صرف 10 آلاف جنيه تحت حساب تسوية المعاشات
وفي 21 مايو 2026، أعلنت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي انتظام عمل منظومة التحول الرقمي، بما في ذلك ربط المعاشات للحالات الجديدة بشكل يومي، موضحة أن المتبقي من طلبات صرف المعاش منذ إطلاق المنظومة في 24 فبراير وحتى ذلك التاريخ بلغ 76 ألف حالة.
وفي إطار التيسير على هذه الحالات، وافق مجلس إدارة الهيئة على صرف مبلغ 10 آلاف جنيه تحت حساب تسوية المعاش، اعتبارا من الأحد 24 مايو، للحالات المستوفاة لكافة المستندات المطلوبة، لحين الانتهاء من التسوية النهائية للمعاش.
وبلغ عدد الحالات المستوفاة للمستندات نحو 42 ألف حالة، بنسبة تقارب 55.3% من إجمالي الحالات، فيما تبقى نحو 34 ألف حالة، بنسبة 44.7%، جار استكمال مستنداتها وإنهاء صرف مستحقاتها النهائية.
وأوضحت الهيئة أنه سيتم إخطار المواطنين المستحقين من خلال رسائل نصية على الهواتف المحمولة المسجلة لديها، تتضمن التوجه إلى أقرب مكتب بريد لصرف المستحقات، مع ضرورة اصطحاب بطاقة الرقم القومي.
وأكدت الهيئة استمرار العمل خلال الإجازات والعطلات الرسمية، بما في ذلك عطلة عيد الأضحى المبارك، لضمان الانتهاء من تسوية جميع الطلبات المتبقية بصورة نهائية وصرف المستحقات لأصحابها في أسرع وقت ممكن.
عبد المنعم إمام يسأل الحكومة بشأن التعويضات
ومع استمرار ملف المتأخرات، تقدم النائب عبدالمنعم إمام، رئيس حزب العدل، بسؤال موجّه إلى وزيرة التضامن الاجتماعي، بشأن الإجراءات المتخذة لتنفيذ توصية لجنة القوى العاملة الخاصة بصرف التعويض المستحق لأصحاب المعاشات وفقا للمادة 130 من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019.
وأوضح إمام أن لجنة القوى العاملة سبق أن ناقشت طلب الإحاطة رقم 2902 بتاريخ 10 يونيو 2026، بشأن استمرار المشكلات التشغيلية بمنظومة التأمينات الاجتماعية والمعاشات، إلى جانب طلب الإحاطة الذي تقدم به بشأن تطبيق نص القانون وصرف التعويضات المستحقة للمواطنين دون انتظار تقدم أصحاب الشأن بطلبات، باعتبار أن الهيئة لديها بيانات المستحقين والفترات التي تعرضوا خلالها للتأخير، فضلا عن إقرارها بوقوع الخطأ من جانبها.
وأشار إلى أن لجنة القوى العاملة انتهت إلى توصية بإلزام الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بصرف التعويض المستحق قانونا لأصحاب الحقوق تلقائيا، في حالات التأخر في صرف المستحقات التأمينية لأسباب ترجع إلى الهيئة أو الجهات التابعة لها، دون الحاجة إلى تقديم طلب من صاحب الشأن.
وأوصت اللجنة بأن يبدأ تنفيذ آلية الصرف في موعد أقصاه الأول من سبتمبر 2026، مؤكدا أن الموعد المحدد للتنفيذ قد حل، وهو ما يستوجب بيان الإجراءات الفعلية التي اتخذتها وزارة التضامن الاجتماعي والهيئة لتنفيذ التوصية.
وشدد إمام على أن الأمر يتعلق بحق مالي مقرر بموجب القانون لأصحاب المعاشات والمستحقين، وليس منحة أو إجراء جوازيا، مطالبا ببيان موقف التنفيذ بشكل واضح.
وطالب النائب بالكشف عن الإجراءات التي اتخذتها الهيئة لتنفيذ توصية لجنة القوى العاملة بشأن الصرف التلقائي للتعويض المنصوص عليه بالمادة 130 من القانون رقم 148 لسنة 2019، وما إذا كانت آلية الصرف التلقائي قد دخلت حيز التنفيذ اعتبارا من الموعد المحدد.
كما تساءل إمام عن أسباب عدم التنفيذ، حال عدم تفعيل الآلية، والموعد المحدد لبدء التطبيق، إلى جانب عدد الحالات التي تأخر صرف مستحقاتها لأسباب ترجع إلى الهيئة أو الجهات التابعة لها، وقيمة التعويضات المستحقة عنها وما تم صرفه فعليا.
وطالب بتوضيح ما إذا كانت الهيئة قد انتهت من حصر الحالات السابقة التي استحقت التعويض ولم تحصل عليه، وآلية تسوية حقوق أصحابها، فضلا عن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لضمان تنفيذ النص القانوني وتوصية لجنة القوى العاملة.
واختتم رئيس حزب العدل سؤاله بالمطالبة بإجابة محددة تتضمن أعداد المستحقين، وقيمة التعويضات التي تم صرفها أو المستحق صرفها، إلى جانب جدول زمني لاستكمال تنفيذ التوصية وتسوية حقوق المستحقين.