تأخر حسم طلبات التصالح في مخالفات البناء لم يعد مجرد إجراء إداري يتعطل عنده المواطن أمام شباك الموظف. بالنسبة إلى أسر بدأت إجراءاتها وسددت المستحقات المطلوبة واستكملت أوراقها، يتحول الوقت نفسه إلى تكلفة تتزايد مع كل شهر انتظار.
أسعار مواد البناء ارتفعت، وأجور العمالة والنقل زادت، وخطط استكمال المنازل توقفت، فيما تأجلت قرارات البيع أو التصرف في العقارات. وفي بعض الحالات، يضاف إلى ذلك عبء المرافق، خصوصًا فواتير الكهرباء، لتصبح رحلة التصالح مرتبطة بكلفة تتجاوز قيمة الرسوم التي دفعها المواطن لإنهاء وضع عقاره.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان المواطن يريد الالتفاف على القانون، وإنما ماذا يحدث لمن اختار الطريق القانوني بالفعل، ثم ظل منتظرًا قرارًا نهائيًا لا يملك تحديد موعد صدوره؟
عام من الانتظار
مجدي صادق، صاحب عقار، يقول إنه تقدم بطلب للتصالح وسدد جدية التصالح منذ أكثر من عام، وكان يخطط لاستكمال باقي المبنى وفق حسابات تكلفة وضعها وقت تقديم الطلب.
وأضاف صادق، في حديثه مع “القصة”، إن أسعار مواد البناء ارتفعت منذ ذلك الوقت بأكثر من 30%، بينما لا يزال ملفه قيد الفحص الفني، مضيفًا أنه لا يطلب استثناءً من الإجراءات، لكنه يريد قرارًا واضحًا يمكنه بناء خططه المالية عليه، سواء باستكمال البناء أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية الزيادة في التكلفة.
بالنسبة لـ صادق، لم يعد التأخير مجرد فترة انتظار، وإنما أصبح فارقًا ماليًا يتحمله وحده، رغم أنه بدأ إجراءات التصالح وفق المسار القانوني.
ومن ناحية أخرى، تروي ماجدة فؤاد، ربة منزل، جانبًا آخر من المشكلة. تقول إنها تعيش مع أبنائها في شقتهم بعد وفاة زوجها، وإنها لا تعمل، بينما يمر أبناؤها بمراحل تعليمية مختلفة.
وتضيف أنها فوجئت خلال الأشهر الأخيرة بارتفاع كبير في فواتير الكهرباء، وعندما استفسرت عن السبب قيل لها إن العداد أصبح خاضعًا لشريحة أعلى بسبب عدم تقنين وضع العقار، وإن إنهاء إجراءات التصالح هو الطريق لتسوية الوضع.
وأوضحت ماجدة لـ”القصة”، أن صاحب العقار أخبرها بأنه تقدم بالفعل للتصالح، لكن الإجراءات لم تنتهِ بعد، لتبقى هي وأسرتها في مواجهة فاتورة لا تعرف سبب استمرارها أو المدة التي ستظل خلالها على الوضع نفسه.
بيت مؤجل
أما السيد عبد العاطي، موظف بالمعاش، فيربط تأخر التصالح بخطة أسرية تعطلت منذ فترة.
كان يخطط لتجهيز دور علوي لزواج ابنه، لكنه لم يتمكن، بحسب روايته، من استكمال الأعمال التي كان يحتاج إليها، في ظل عدم حسم إجراءات التصالح والظروف المعيشية الصعبة. اضطر في النهاية إلى أن يعيش ابنه وزوجته معه في الشقة نفسها، بينما ينتظر انتهاء الإجراءات واستكمال ما بدأه.
وقال عبد العاطي لـ”القصة”، إن الأمر لم يعد متعلقًا بمبنى أو سقف فقط، وإنما بظروف معيشية يرى أنها انعكست على ابنه وزوجته، في وقت لا يملك فيه وسيلة أخرى لتغيير الوضع.
ماذا يقول القانون؟
يأتي ذلك في ظل منظومة تشريعية بدأت بقانون التصالح في بعض مخالفات البناء رقم 17 لسنة 2019، قبل أن يصدر القانون رقم 187 لسنة 2023 ليحل محل الإطار السابق ويقدم قواعد وإجراءات جديدة للتعامل مع المخالفات التي ينطبق عليها القانون.
ويستهدف القانون تقنين أوضاع بعض مخالفات البناء وفق الضوابط والشروط التي حددها، بما يسمح بتسوية الوضع القانوني للعقار في الحالات المقبولة، مع مراعاة الاشتراطات المتعلقة بالسلامة الإنشائية وغيرها من القيود القانونية.
لكن إتمام التصالح لا يعني بالضرورة أن العقار أصبح مفتوحًا أمام أي أعمال بناء جديدة. فالتصالح يعالج المخالفة القائمة التي شملها الطلب، بينما تظل أعمال مثل التعلية أو الإضافة أو التعديل خاضعة للإجراءات والاشتراطات المنظمة للحصول على الترخيص. وهنا تظهر واحدة من النقاط التي تلتبس على بعض المواطنين: الحصول على نموذج التصالح لا يعني تلقائيًا الحصول على تصريح مفتوح لأعمال بناء مستقبلية.
لماذا تتأخر الملفات؟
يوضح أشرف سمير، مسؤول التنظيم بمجلس مدينة أشمون في المنوفية، أن ملفات التصالح لا تسير جميعها بالوتيرة نفسها، إذ تختلف الإجراءات المطلوبة بحسب طبيعة كل حالة والمستندات المقدمة والجهات التي يتعين الرجوع إليها.
وأشار إلى أن بعض الطلبات تكون مستوفية ويمكن استكمال إجراءاتها بصورة أسرع، بينما تحتاج ملفات أخرى إلى استكمال مستندات أو انتظار ردود من جهات أخرى، مثل الزراعة أو أملاك الدولة، وفقًا لطبيعة العقار والمخالفة.
وأكد، أن وجود الملف في مرحلة الفحص أو انتظاره ردًا من إحدى الجهات لا يعني ضياع حق المواطن، وإنما يعكس اختلاف الإجراءات التي يحتاج إليها كل طلب.
من جانبه، يقول خالد النمر، سكرتير مساعد محافظة المنوفية، إن ملفات التصالح محل متابعة، وإن المواطن الذي استوفى المطلوب منه وسلك المسار القانوني لا ينبغي أن يشعر بأن طلبه متروك أو أن حقوقه مهدرة.
وأوضح، أن إجراءات التصالح تمر بمراحل فنية وقانونية، وأن بعض الملفات تحتاج إلى مخاطبة جهات أخرى قبل الوصول إلى القرار النهائي، مشيرًا إلى أن العمل يستهدف تقليل فترات الانتظار من خلال تكثيف لجان الفحص وتعزيز التنسيق بين الجهات المختلفة.
وأضاف، أن اختلاف مدة إنهاء الملفات لا يعني بالضرورة وجود مشكلة في الطلب، إذ تتداخل عوامل عدة في تحديد المدة، من بينها طبيعة المخالفة وموقع العقار والجهات التي يتعين الرجوع إليها.
وفيما يتعلق بأي حالات تقصير أو تعنت من جانب الموظفين، يؤكد النمر أن التعامل معها يتم وفق الإجراءات القانونية، وأن الهدف هو وصول المواطن إلى وضع قانوني مستقر دون تحميله أعباء إضافية بسبب الإجراءات.
نموذج 8.. نهاية أم بداية؟
ويظل نموذج التصالح أحد أكثر النقاط التي تحتاج إلى توضيح بالنسبة للمواطنين. ووفقًا لتوضيح خالد النمر، فإن الحصول على نموذج “8” يمثل خطوة مهمة في تسوية الوضع القانوني للمخالفة، لكنه لا يعني تلقائيًا السماح بتنفيذ أعمال بناء جديدة.
فإذا أراد مالك العقار التعلية أو الإضافة أو إجراء تعديلات جديدة، تظل هناك إجراءات واشتراطات فنية وتخطيطية يتعين استيفاؤها وفق طبيعة العمل المطلوب.
وبين مواطن ينتظر قرارًا نهائيًا، وأسعار تتحرك في اتجاه مختلف، وجهات تنفيذية تقول إن كل ملف له ظروفه وإجراءاته، تبدو المشكلة أبعد من مجرد عدد الطلبات الموجودة داخل المراكز التكنولوجية. المسألة تتعلق أيضًا بالمسافة الزمنية بين أن يدفع المواطن ما عليه، وبين أن يحصل على نتيجة واضحة يمكنه بناء قراراته عليها.
فمن تقدم للتصالح لا يطلب بالضرورة إعفاءً من القانون، ولا يبحث عن تجاوز الإجراءات، وإنما يريد أن يعرف أين وصل ملفه، وما الذي ينقصه، ومتى يمكن أن تنتهي الرحلة. لأن المواطن الذي دفع تكلفة التصالح وفق القانون، قد يجد نفسه أمام تكلفة أخرى لا تظهر في إيصال السداد: زيادة في أسعار البناء، وتجميد مدخرات، وتعطيل خطط أسرية، وأعباء مرافق تتراكم مع مرور الوقت.
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن تقليل المسافة بين تقديم طلب التصالح وحسمه، بحيث لا يتحول انتظار القرار نفسه إلى تكلفة جديدة يتحملها المواطن؟