لا يبدأ الفساد دائمًا من لحظة اختلاس أو صفقة سرية، وإنما قد يبدأ من فكرة صغيرة تتسلل إلى عقل صاحب السلطة: “أنا أستحق أكثر من غيري”، ومع الوقت، تتحول هذه الفكرة إلى قدرة على تبرير تجاوز القواعد، واستغلال المنصب، وتحويل النفوذ العام إلى منفعة خاصة، دون أن يرى صاحبها بالضرورة نفسه شخصًا فاسدًا.
لكن ماذا يحدث داخل عقل الفاسد؟ كيف يستطيع أن يأخذ ما ليس من حقه، ثم يجد لنفسه مبررات تجعله يتعايش مع ما يفعل؟ هل تحركه الرغبة في المال، أم الشعور بالاستحقاق، أم الطمع في النفوذ والمكانة؟ ولماذا ينجح بعض الأشخاص في مقاومة إغراء السلطة والمال، بينما يرى آخرون في المنصب فرصة مفتوحة لتحقيق مصالحهم؟
وفي المجال السياسي، تتبلور الأزمة في شكل أكثر تعقيدًا، فالمنصب والنفوذ قد يوفروا للشخص مساحة أكبر لاستغلال السلطة وتحقيق مكاسب شخصية، كما قد يمنحه حصانة أو شعورًا بالأمان، وفي بعض الحالات، قد يستخدم الشخص خطابًا دينيًا أو وطنيًا لتقديم صورة مختلفة عن سلوكه الحقيقي، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة نفسية للشخصية الفاسدة وكيف تصنع لنفسها مبررات وغطاءً يحمي صورتها أمام الآخرين وأمام نفسها.
ويرى الدكتور جمال فرويز، الاستشاري النفسي، إن أول نقطة يجب التركيز عليها هي أنه لا يوجد فاسد يعرف أنه فاسد، موضحًا أن كل شخص فاسد يضع لنفسه تبريرات تجعله يرى سلوكه مقبولًا، فقد يرى أنه يعمل أكثر من طاقته ويبذل مجهودًا كبيرًا، وأن المؤسسة التي يعمل بها ربما كانت ستتعرض للانهيار لولا جهوده، وبالتالي يعتبر ما يحصل عليه من أموال أو منافع حقا له مقابل هذا المجهود.
وأضاف فرويز لـ “القصة” أن بعض الفاسدين يبررون سلوكهم بانخفاض الأجر الذي يحصلون عليه من الدولة، معتبرين أن فسادهم محاولة لتعويض ما يرونه نقصًا ماديًا، بل وقد يصل الأمر إلى اعتقاد بعضهم بأنهم لن يحاسبوا على ذلك.
ويشير إلى وجود ازدواجية دينية لدى بعض الفاسدين، فبعض الشخصيات الفاسدة قد تحرص على إظهار التدين أمام الآخرين، سواء من خلال القرآن أو الإنجيل أو الحديث المستمر عن الله والخوف منه، معتبرًا أن هذا الظهور الديني قد يمثل عملية تعويضية عن التواطؤ الداخلي الناتج عن ممارساته، مع احتفاظه في الوقت نفسه بصورة ذهنية عن نفسه باعتباره شخصًا جيدًا.
وقال فرويز أن الفساد لا يقتصر على الحصول على الرشاوى أو ابتزاز جهة العمل، وإنما قد تصاحبه سمات وسلوكيات أخرى، من بينها ما وصفه بوجود “السيكوباتية الحكومية”، التي قد تظهر في صورة سلبية أو لامبالاة وعدم اهتمام بعواقب التصرفات، إلى جانب انخفاض المشاعر والأحاسيس. موضحًا أن الفاسد قد يحاول في الوقت نفسه تعويض صورته عن نفسه من خلال الظهور بمظهر المتدين أو الورع، كالإكثار من الصلاة أو الإمساك بالسبحة أو إظهار التمسك الديني أمام الناس.
وقسم فرويز الشخصية الفاسدة إلى نوعين، الأول ما يسميه “السيكوباتية العاجزة”، وهو الشخص الذي يرتكب مخالفات أو يسرق بصورة محدودة، بحيث تكون مشكلاته كثيرة أحيانًا لكنها أقل من حيث الحجم والشدة. أما النوع الثاني فيصفه بـ”السيكوباتية المتصاعدة”، وهي شخصية لا تتجه إلى ارتكاب مخالفات كبيرة منذ البداية، وإنما تتدرج في طريقها حتى تصل إلى موقع يمكنها من تحقيق مكاسب أكبر.
وأوضح أن هذا النوع قد يبدأ بالعمل داخل مؤسسة والالتزام بالقواعد وإظهار الولاء والدقة والنزاهة، ثم يواصل الصعود تدريجيًا داخلها حتى يصل إلى منصب كبير، وبعدها يبدأ في استغلال موقعه وتحقيق مكاسب شخصية، معبرًا عن ذلك بإن هذا الشخص لا يريد أن يضيع نفسه في سرقة صغيرة، وإنما ينتظر حتى يصبح في موقع يسمح له بتحقيق مكسب أكبر، مستشهدًا بمثل شعبي شهير: «إن سرقت اسرق جمل».
وعن الفساد في المجال السياسي، يرى فرويز أن هناك، إلى جانب الشخصيات المحترمة الموجودة في العمل السياسي، أشخاصًا في الصفين الثاني والثالث قد يسعون إلى استغلال مناصبهم السياسية لتحقيق مكاسب شخصية.
وأشار إلى أن بعض هؤلاء قد يستفيدون من الحصانة أو النفوذ السياسي في تحقيق مكاسب أو ارتكاب جرائم، مثل غسل الأموال أو الاتجار في المخدرات أو الآثار، مستغلين موقعهم السياسي في خلق شعور بالأمان والحماية من السلطات.
ولفت إلى أن بعض الشخصيات السياسية الفاسدة قد تحرص على تقديم نفسها بصورة شديدة التدين والولاء والانتماء للوطن، فتكثر من الحديث عن حب مصر والتضحية من أجلها، معتبرًا أن هذه الصورة قد تتحول إلى ستارة تحمي الشخص وتمنحه غطاءً أمام الآخرين، سواء كان هذا الغطاء دينيًا أو قائمًا على خطاب الوطنية والانتماء،مؤكدًا أن المجتمع شهد نماذج متعددة ظهرت في البداية بهذه الصورة، ثم كشفت ممارساتها لاحقًا عن فساد أكبر مما كان متوقعًا.