في واقعة باسم وهبة، ربما يكون السؤال الأهم ليس فقط: لماذا تم القبض عليه؟ وإنما: إذا صحت الرواية المتداولة بأن الأمر بدأ ببلاغ من أحد الأساقفة، فهل هذا هو الدور الذي يفترض أن يقوم به الأسقف تجاه شباب الكنيسة؟! السؤال هنا لا يتعلق بحق قانوني؛ فمن حق أي مواطن، أيا كانت صفته، أن يلجأ إلى القانون إذا تعرض لسب أو قذف أو تشهير، والأسقف، مثله مثل غيره، لا يفقد هذا الحق! لكن هناك فارقًا كبيرًا بين أن نتحدث عن الحق، وبين أن نتحدث عن الدور!
فالأسقف ليس مجرد مواطن عادي في علاقته بأبناء كنيسته، بل هو راعٍ يفترض أن يحتوي قبل أن يعاقب، وأن يستمع قبل أن يخاصم، وأن يفتح بابه للشباب قبل أن تُفتح في وجوههم أبواب أقسام الشرطة والنيابات! وإذا كان شاب قد تجاوز في حق أسقف، أو انتقده بقسوة، أو حتى أخطأ في حقه، فأين الكنيسة هنا؟! أين الحوار؟! أين الاحتواء؟! أين الأبوة التي تتحدث عنها الكنيسة دائمًا في وصف علاقة الأسقف بأبنائه؟! وهل يليق أن يكون الطريق من خلاف بين أسقف وشاب إلى بلاغ أمني بهذه السهولة؟!
وإذا كان هذا الشاب واحدًا من أبناء الكنيسة، أليس الأولى أن يسأل الراعي أولًا: لماذا وصل هذا الشاب إلى هذه الدرجة من الغضب؟! لماذا كتب ما كتب؟! هل حاول أحد الاستماع إليه؟! هل حاول أحد تصحيح ما يراه خطأ لديه؟! الكنيسة لم تكن يومًا مجرد مؤسسة إدارية، والأسقف ليس مسؤولًا تنفيذيًا يدير مؤسسة ويلاحق منتقديه! هو في الأساس راهب ترك العالم واختار طريقًا يفترض أنه أكثر قدرة على احتمال الأذى وأكثر قدرة على الغفران، ولهذا تبدو المفارقة قاسية إذا صحت رواية البلاغ!
نحن نتحدث عن دين يقول: «من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر»، وعن كنيسة تعلم أبناءها الغفران، ثم نجد شابًا، بحسب الرواية المتداولة، يدخل في أزمة بسبب انتقاده لأسقف! كيف سيجلس الشباب بعد ذلك أمام الأسقف ليستمعوا إلى عظة عن التسامح؟! وكيف نطلب منهم أن يؤمنوا بفكرة الأبوة الروحية إذا شعروا أن الاختلاف مع الأب قد ينتهي بهم أمام جهات التحقيق؟!
الأخطر أن مثل هذه الوقائع، إن صحت، لا تحمي هيبة الكنيسة، بل قد تفعل العكس تمامًا! هيبة رجل الدين لا تصنعها البلاغات، وإنما يصنعها اتساع صدره لمن يختلف معه! والكنيسة التي تخشى اليوم ابتعاد الشباب عنها لا يمكنها أن تطالبهم بالقرب منها، وفي الوقت نفسه يشعر بعضهم بأن مساحة النقد داخلها تضيق! الشباب لا يحتاجون إلى من يسلمهم عند أول خلاف، بل إلى من يحتوي غضبهم، ويناقش أفكارهم، ويواجه أخطاءهم بالفكر والحوار، وحتى عندما يتجاوز أحدهم، يفترض أن يكون اللجوء إلى العقاب آخر الطريق، لا بدايته!
ثم يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه! إذا كان باسم قد أُلقي القبض عليه بالفعل على خلفية بلاغ يتعلق بالإساءة إلى أحد الأساقفة، فلماذا لم يتم استدعاؤه بالطريق القانوني المعتاد؟! لماذا لم تعرف أسرته مكانه لعدة أيام؟! ولماذا تحول أمر يفترض أنه بلاغ قانوني إلى كل هذا الغموض والقلق؟! وإذا كانت الرواية المتداولة غير صحيحة، فمن حق الجميع أن يعرف الحقيقة بوضوح! لأن غياب المعلومة يفتح الباب للشائعات ويضع الجميع في موقف لا يحتاجون إليه!
وبعيدًا عن الروايات المتضاربة، تبقى حقيقة أهم تستحق أن تتوقف أمامها الكنيسة! الشباب ليسوا خصومًا لها! حتى الغاضب منهم، وحتى المنتقد، وحتى من يخطئ ويتجاوز، لا ينبغي أن تكون أول استجابة تجاهه هي التخلص من صوته أو تسليمه إلى السلطات! دور الراعي أصعب وأكبر من ذلك بكثير! أن يحتمل، وأن يسمع، وأن يناقش، وأن يغفر حين يستطيع، وأن يتذكر دائمًا أن الشاب الذي يصرخ في وجه الكنيسة قد يكون أحيانًا أكثر احتياجًا إليها من ذلك الذي يجلس صامتًا في الصفوف الأولى!
في النهاية، لا يمكن فصل مسؤولية الكنيسة عن مسؤولية الدولة في واقعة كهذه! فالكنيسة دورها أن تحتوي أبناءها، لا أن تدفع بهم إلى ساحات الخصومة كلما ارتفع صوت بالنقد! والدولة دورها أن تحمي القانون، لا أن يتحول القانون في نظر الناس إلى مصدر للخوف أو الغموض! هيبة الكنيسة لا تحتاج إلى إسكات منتقديها، وهيبة الدولة لا تحتاج إلى أن يختفي مواطن عن أسرته أيامًا حتى يعرف الناس أين هو ولماذا احتُجز! الأولى تكسب احترام أبنائها بالاحتواء، والثانية تكسب ثقة مواطنيها بالوضوح وسيادة القانون! وبين راعٍ يفترض أن يفتح بابه لابنه، ودولة يفترض أن تضمن لهذا الابن حقوقه، لا ينبغي أن يكون المواطن هو الطرف الذي يدفع الثمن! لأن الكنيسة حين تخسر شبابها تخسر مستقبلها، والدولة حين يفقد مواطنوها الإحساس بالأمان أمام القانون تخسر ما هو أخطر.. ثقتهم!