بينما تتجه الأنظار إلى المواجهات الميدانية والترتيبات الأمنية على الحدود اللبنانية، فتحت الإدارة الأمريكية جبهة جديدة لا تقل شراسة، محورة إياها من “سلاح حزب الله” إلى “شرايين تمويله المباشرة” فمع استهداف واشنطن لشبكة معقدة اتهمتها بنقل مئات الملايين من الدولارات نقداً عبر خطوط الطيران الإقليمية، وإعادة تأطير الحزب رسمياً كـ”وكيل مباشر للحرس الثوري الإيراني”، تبدأ مرحلة جديدة من التضييق المالي تتجاوز حدود العقوبات التقليدية نحو خنق القنوات البديلة وتنشيف السيولة.
تضع هذه المعركة المالية المفتوحة لبنان على خط نار مشتعل حيث يتأرجح القطاع المصرفي بين الامتثال لصارم الشروط الأمريكية لتفادي العقوبات الثانوية، وبين أزمة اقتصادية متهالكة لا تحتمل المزيد من الهزات، وفيما يراهن البيت الأبيض على ضرب العصب المالي للحزب، تتجه الأنظار نحو قدرة التنظيم على المناورة وتفعيل شبكاته الموازية، وسط تساؤلات حادة حول الكلفة النهائية التي سيدفعها الاقتصاد اللبناني في هذا الصراع الإقليمي.
تضييق الخناق ونطاق قدرة العقوبات على قطع التمويل
أكد وزير المالية السابق الدكتور غازي وزني، في حديثه لـ”القصة”، أن العقوبات الأمريكية الجديدة تأتي في إطار تشديد الضغط على شبكات التمويل التابعة لحزب الله، مستهدفة جهات وأفراداً تتهمهم واشنطن بتسهيل نقل الأموال لتغذية أنشطة الحزب، مشيراً إلى أن الهدف المباشر لهذه القرارات هو تجفيف أو تضييق قنوات التمويل، وليس فرض عقوبات شاملة على الدولة اللبنانية أو اقتصادها ككل.
وأوضح الدكتور وزني أبعاد هذه المواجهة المالية في النقاط التالية:
استهداف القنوات البديلة: تستهدف الإجراءات التضييق على الممرات والشبكات التي تسهل نقل الأموال نقداً وتوفير العملات الأجنبية للحزب بعيداً عن القطاع المصرفي.
خبرة التكيف لدى الحزب: يمتلك حزب الله خبرة طويلة تراكمت عبر عقود في التعامل مع العقوبات والبحث الدائم عن قنوات مالية بديلة للتمويل، مما يجعل الرهان معقوداً على مدى التمكن العملي من إغلاق هذه القنوات وليس مجرد إعلان عقوبات جديدة.
دلالات وصف الحزب كـ”وكيل إيراني” وتصعيد المواجهة
أشار غازي وزني إلى أن التصنيف الأمريكي الأخير يعطي الخطاب والمواجهة المالية بُعداً سياسياً أعمق وأشمل، مؤكداً أن واشنطن لم تعد تكتفي بالتعامل مع الحزب كطرف أو مكون سياسي محلي في لبنان.
وأضاف الدكتور وزني موضحاً التبعات السياسية للقرار، عن طريق إعادة وصف الحزب وتأكيد ارتباطه المباشر بالحرس الثوري الإيراني يعكس رؤية واشنطن له كجزء لا يتجزأ من شبكة إقليمية أوسع تديرها طهران.
وشدد بأن هذا التأطير القانوني والسياسي يمنح الإدارة الأمريكية غطاءً لتوسيع دائرة الملاحقة واستهداف أي شبكات أو خطوط إمداد متقاطعة بين إيران والحزب في المنطقة.
انعكاس الضغوط على المصارف واقتصادات الدولة
أوضح الخبير الاقتصادي د. غازي وزني أنه لا يمكن فصل الملف المالي لشبكات التمويل عن الواقع الاقتصادي والمصرفي الحرج في لبنان، مؤكداً أن القطاع المصرفي سيعمل تحت درجة عالية من الحذر الشديد.
واختتم غازي وزني حديثه لـ”القصة” برسم حدود التداعيات والسيناريوهات المتوقعة قائلاً ستكون البنوك اللبنانية مجبرة على مراجعة دقيقة وأكثر قيوداً لأي أسماء أو شركات أو عمليات مالية مشتبه بها لتفادي الامتثال للعقوبات الثانوية والمخاطر الخارجية.
وأضاف بأن القول بأن هذه العقوبات ستؤدي تلقائياً إلى انهيار اقتصادي جديد في لبنان يُعد استنتاجاً مبالغاً فيه، إذ يتوقف الأمر على ما إذا كانت العقوبات المقبولة ستظل محصورة في شبكات محددة أم ستتوسع لتطال قطاعات ومؤسسات أخرى.
وأكد أن المرحلة المقبلة ستكون بمثابة اختبار مزدوج، بين مدى قدرة واشنطن على خنق مصادر تمويل الحزب، ومدى قدرة الدولة والقطاع المالي اللبناني على تحصين الاقتصاد ومنع تحويله إلى ساحة إضافية لهذا الصراع الإقليمي.