لا يزال ملف سجناء الرأي مفتوحا، وتزداد أزمته يوما بعد يوم، خصوصا في ظل زيادة أعداد المحبوسين على خلفية تعبيرهم عن آرائهم المتنوعة. وتستمر المطالب من جهات متعددة بضرورة العفو عن السجناء السياسيين ممن لم يتورطوا في أعمال عنف، كذلك العفو عن سجناء الرأي. لكن لا يوجد في السلطة من يهتم لتلك المطالب، ولا للمناشدات أو اللجان المختلفة التي تعمل من أجل إغلاق هذا الملف. وما زاد الطين بلة، الاتجاه لحبس بعض أعضاء لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، بما يقطع بعدم وجود بوادر لإنهاء هذا الملف، ويطرح التساؤل الأهم الآن: “إلى متي ننتظر إغلاق ملف سجناء الرأي؟”.
عبد المنعم إمام: نتمنى إغلاق ملف سجناء الرأي
قال النائب عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، إنه يتمنى إغلاق ملف سجناء الرأي، خصوصا أن استمرار وجود سجناء رأي في مصر بعد ثورتين يضرب صورة بلادنا في الصميم، ويضر الديمقراطية والاستثمار.
وأضاف إمام، في تصريحات خاصة، أن حالة الثأر الموجودة في البلاد يجب أن تتوقف. وأنه من الضروري فتح صفحة جديدة مع هؤلاء الشباب، خصوصا الذين لم يتورطوا في أعمال عنف، ومن لم يثبت تورطهم في الدعوة إلى العنف. مشيرًا إلى ضرورة مراجعة الإجراءات الاستثنائية التي اتُخذت في إطار الحرب على الإرهاب، وفتح صفحة جديدة مع الشباب.
ولفت إمام إلى أن مسألة غلق ملف سجناء الرأي لا تتعلق بالضغط الشعبي، مؤكدا أن المنطق سيجعل أي شخص يتعاطف مع من تم سجنه بسبب إعلان رأيه.
وأشار رئيس حزب العدل إلى أن المسألة، من وجهة نظره، أكبر من مجرد الضغط الشعبي، وإنما تحتاج إلى قناعة من السلطة بالنهج الذي بدأته خلال أيام الحوار الوطني قبل أن يتوقف.
وشدد إمام على ضرورة مراجعة هذا النهج، والعودة إليه مرة أخرى، وإنجاز ملف سجناء الرأي بشكل كامل.
زهدي الشامي: لا أحد يستطيع تحديد موعد إغلاق الملف
بينما قال زهدي الشامي، القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، إن السؤال عن موعد إغلاق ملف سجناء الرأي “لا يستطيع أحد أن يجيب عليه بصراحة”.
وأضاف الشامي، في تصريحات لـ”القصة”، أن هذا الملف مستمر منذ سنوات طويلة، ويعود إلى أيام الرئيس الأسبق حسني مبارك، لكنه تفاقم خلال السنوات الأخيرة.
وأشار الشامي إلى أن حالات السجن بسبب الرأي أصبحت كثيرة، ولم يعد من الممكن عدّ أو حصر حالات الصحفيين، والشباب المتضامنين مع فلسطين، وبعض السياسيين الذين يتم إلقاء القبض عليهم بسبب آرائهم، لافتا إلى أن بعض الأشخاص يخرجون بعد معاناة، بينما يدخل آخرون السجن مكانهم.
وأكد الشامي أنه قبل الحوار الوطني، والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، كان هناك حديث عن إمكانية حدوث تحسن. وتابع: “لكننا في الحقيقة لم نر أي معالم لهذا التحسن، ولا يزال الوضع على حاله”. لافتًا إلى أن الأصوات المطالبة بإنهاء هذا الملف ارتفعت منذ سنوات، وأكدت على ضرورة ألا يكون هناك حبس في قضايا الرأي والنشر، لكن الأمر لا يزال مستمرًا.
التضييق على الحريات نهج مستمر
وعن أسباب تأخر إغلاق الملف، قال القيادي بحزب “التحالف الشعبي” إن السلطة ليس لديها حلول لإصلاح الأوضاع بشكل حقيقي، “ولذلك فإن الأسلوب المفضل لديها هو التضييق على الحريات، ومنع حرية التعبير، وترهيب أي حركة، حتى لا يوجد هامش للتنفس”، بحسب رأيه.
وأضاف الشامي أن هذه هي الاستراتيجية التي تتبناها السلطة حتى الآن، مشيرًا إلى أن الأمر كان مختلفًا في بعض الفترات خلال عهد مبارك، حيث كان يُترك أحيانًا قدر من المساحة للتعبير، وهو ما لم تفعله السلطة الحالية ولا تريده. موضحًا أن السلطة لديها اعتقادًا بأن أي مساحة للتنفس قد تؤدي إلى الفوضى، مؤكدًا أن هذه النظرية خاطئة تمامًا. وتابع: “تجربة نظام مبارك، الذي استمر في الحكم 30 عامًا، أظهرت أن وجود قدر من مساحة التنفس كان مفيدًا وليس ضارًا”.
وقال الشامي إن المنهج الأمني يغلب على طريقة التعامل مع الأوضاع، وإن ذلك يحمّل الأمن نفسه ما لا طاقة له به. مضيفا أنه عندما لا تكون لدى السلطة التنفيذية بمختلف مستوياتها، مصداقية أو حلول، فإنها تستخدم فزاعة الأمن، وتحمل عليه كل المشكلات والأعباء، معتبرًا أن ذلك يدل على فشل سياسي ذريع، وقطع بأنه لن يحل أي مشكلة جذرية.
وبشأن الحاجة إلى ضغط شعبي، قال الشامي إن التكاتف الشعبي في قضايا معينة يكون مفيدًا، وإنه كلما كان هناك عمل جماعي كان ذلك أفضل. مشيرًا إلى وجود تحركات جماعية في بعض القضايا المتعلقة بحقوق الناس، رغم الضغوط التي تمارسها الدولة. ولافتًا إلى أن الموقف الشعبي لا يظهر حاليًا من خلال وسائل الإعلام المصرية الحكومية. معتبرًا أن وسائل الإعلام، سواء القنوات الحكومية أو الخاصة، خاضعة للتوجيه، وكذلك الصحف الخاصة في الغالب، بينما لم يعد أحد تقريبًا يقرأ الصحف الحكومية.
وأشار إلى أن الرأي العام المصري يتجلى بصورة أكبر في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تظهر اتجاهاته. موضحًا أن القبض على ناشطين أو مفكرين بسبب ما يكتبونه على وسائل التواصل الاجتماعي يتكرر أحيانًا، معتبرًا أن هناك ضغوطًا ومحاولات لتخويف الناس حتى في هذه القناة التي ما زالت متاحة لهم.
ملف سجناء الرأي يستمر إلى “ما لا نهاية”
بينما أكد أحمد قناوي، المحامي، إن ملف سجناء الرأي قد يستمر إلى ما لا نهاية. قائلا: “يبدو أن السلطة لن تستغنى عن استخدام هذا الملف لأسباب عديدة، لا يوجد بينها سبب موضوعي واحد. لأنه لا يوجد ما يبرر حبس أشخاص لمجرد تعبيرهم عن آرائهم بشكل سلمي”.
وأضاف قناوي، في تصريحات لـ”القصة”، أن عدد سجناء الرأي ليس بقليل، وإنما يصل إلى “مئات المئات”. مشيرًا إلى أن لجنة الدفاع عن سجناء الرأي عملت على استخدام وسائل متعددة للضغط في هذا الملف. وتابع: “استمرار هذا الملف لا يخصم من رصيد السلطة فقط، بل من رصيد وطن كامل”. مؤكدًا أن مجرد وجوده غير قانوني وغير أخلاقي، لأنه يسيء إلى صورة مصر أمام العالم، ويظهرها كدولة تحبس أفرادًا لمجرد أنهم تحدثوا أو عبروا عن آرائهم.
وأوضح قناوي أن مصر كانت دائمًا كبيرة، تستوعب الآراء المختلفة، كما أنها دولة متنوعة من الناحية الفكرية والسياسية والدينية. وتابع: “دولة بهذا الشكل طبيعي أن تقوم على تعدد الآراء. وأي وطن يريد أن يكون صحيحًا وصالحًا ومستمرًا، يجب أن يستوعب الآراء المختلفة، وهو للأسف ما يتعارض مع ما يحدث في مصر حاليا”.
وشدد قناوي على حاجة السلطة إلى النظر لهذا الملف بوعي، معتبرًا أن هناك خطأً جسيمًا تم ارتكابه، وأنه يجب تصحيح هذا الخطأ فورًا.