لم يكن الجدل الواسع الذي أحاط بعدد من مشروعات القوانين كافيًا لوصولها إلى خط النهاية داخل مجلس النواب، فمع إعلان فض دور الانعقاد الأول، خرجت ملفات تشريعية شغلت الرأي العام لأشهر، دون أن تُحسم أو تُطرح للتصويت النهائي، لتُرحَّل إلى دور الانعقاد الثاني.
وفي مقدمة هذه الملفات يأتي قانونا الإدارة المحلية والأحوال الشخصية، اللذان مثّلا نموذجًا لقوانين أثارت نقاشًا سياسيًا ومجتمعيًا واسعًا، لكنهما بقيا حبيسي اللجان البرلمانية، وسط تساؤلات حول أسباب استمرار تأجيل حسم القوانين الأكثر ارتباطًا بحياة المواطنين.
قانون الإدارة المحلية
وخلال دور الانعقاد الأول، ناقش البرلمان عددًا من القضايا والتشريعات، كان في مقدمتها بعض القوانين التي أثارت جدلًا واسعًا بين فئات المجتمع، أبرزها قانون الإدارة المحلية، الذي يعد من الاستحقاقات الدستورية المنصوص عليها في دستور 2014، كما أنه لا يمكن إجراء انتخابات المجالس المحلية إلا بعد إصداره.
وقد غابت المجالس المحلية عن المشهد منذ حلها في عام 2011، وأُحيل مشروع القانون إلى لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب الحالي، إلا أن عددًا من النواب رفضوا الاكتفاء بالمشروع المقدم، وطالبوا بإعادة صياغة أجزاء كبيرة منه. كما أكد نواب أن مشروع القانون يعتمد على فلسفة قديمة لا تواكب المتغيرات الحالية، وجرى الاتفاق على عقد جلسات استماع موسعة قبل الانتهاء من المشروع.
وشهد القانون خلال مناقشته عدة نقاط خلاف، من بينها النظام الانتخابي للمحليات، وهل سيقوم على نظام القائمة أم الفردي أم النظام المختلط، ومدى تطبيق اللامركزية بشكل فعلي، إضافة إلى صلاحيات المحافظ، واختصاصات المجالس المحلية في الرقابة، والعلاقة بين المحافظ والمجلس المحلي، فضلًا عن تمثيل الشباب والمرأة وذوي الإعاقة.
وجاءت آخر التطورات فيما يتعلق بهذا القانون باستمرار مناقشات لجنة الإدارة المحلية، حيث لم تنتهي اللجنة بعد من الصياغة النهائية، كما لم يدرج المشروع للتصويت النهائي في الجلسة العامة، على أن تُستكمل مناقشاته خلال دور الانعقاد الثاني.
قانون الأحوال الشخصية
وعلى جانب آخر، كان قانون الأحوال الشخصية من أبرز القوانين التي نوقشت خلال دور الانعقاد الأول، وأثارت جدلًا واسعًا بين المواطنين، نظرًا لتأثيره المباشر على الأسرة المصرية.
ويهدف مشروع قانون الأحوال الشخصية إلى توحيد وتنظيم مسائل الزواج والطلاق، والحضانة، والنفقة، والرؤية، والاستضافة، والولاية التعليمية. وكان قد أُحيل مشروع القانون إلى اللجنة المختصة خلال دور الانعقاد الأول، وبدأت المناقشات داخل البرلمان حوله، مع الاستماع إلى ملاحظات الأزهر الشريف، والمجلس القومي للمرأة، وعدد من النواب، إضافة إلى خبراء قانونيين.
وشهد القانون جدلًا واسعًا حول عدد من مواده، أبرزها تنظيم الاستضافة، والولاية التعليمية، وترتيب الحضانة، والنفقة، وتوثيق الطلاق، واستخدام تحليل DNA في بعض دعاوى النسب.
واستمر العمل على إدخال تعديلات لتحقيق توافق بين مختلف الجهات، إلا أنه لم يتم التوصل إلى صيغة نهائية يمكن عرضها للتصويت، ليرحل واحد من أبرز القوانين وأكثرها أهمية وتأثيرًا على حياة المواطنين إلى دور الانعقاد الثاني لاستكمال مناقشته.
ومن هنا نتسائل، لماذا تعجز بعض القوانين التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر عن الوصول إلى مرحلة الإقرار، رغم سنوات من النقاش حولها؟ وهل يعود تأجيلها إلى صعوبة التوافق حول بنودها وتشعب المصالح المرتبطة بها، أم أن هناك أسبابًا أخرى تتعلق بأولويات العمل التشريعي داخل البرلمان؟
تشريعات على رف الانتظار
يرى النائب محمد فؤاد في حديثه لـ “القصة” أن قوانين مثل الإدارة المحلية والأحوال الشخصية ليست قوانين عادية، وإنما تُعد من أكثر الملفات التشريعية حساسية وإثارة للجدل في الحياة العامة، شأنها شأن قانون الإيجارات القديمة، مشيرًا إلى أنها تمس مصالح متعارضة لشرائح واسعة من المجتمع، لذا فإن الوصول إلى توافق حولها ليس أمرًا سهلًا.
وأضاف النائب أن الجدل حول هذه القوانين لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتأجيل المستمر، مؤكدًا أنها قوانين تُناقش منذ سنوات طويلة، مشيرًا إلى أن أول مشروع قانون تقدم به في برلمان عام 2016 كان بشأن الإدارة المحلية والأحوال الشخصية، وهو ما يعكس حجم التأخر في حسم تلك الملفات.
وأوضح فؤاد أن جزءًا من التأخير يعود إلى انشغال البرلمان بأولويات تشريعية أخرى فرضتها الظروف، لكن الجزء الأكبر لا يزال يتعلق بحساسية تلك القوانين وصعوبة اتخاذ القرار بشأنها، مضيفًا أنه، على الرغم من ذلك، فإن بقاء هذه الملفات معلقة لما يقرب عقد كامل لا يمكن اعتباره وضعًا طبيعيًا.
وأكد النائب محمد فؤاد أن أحد أهم معايير قوة أي مؤسسة تشريعية هو قدرتها على مواجهة القضايا الصعبة، وليس الاكتفاء بحسم الملفات السهلة، مشيرًا إلى أنه كان يتمنى حسم تلك القوانين خلال هذا الفصل التشريعي، وأن تشهد تقدمًا حقيقيًا، لكن استمرار تأجيلها يعكس بقاء مشكلات تمس حياة المواطنين بشكل مباشر دون حل.
وقال: “الجدل مفهوم، لكن استمرار التأجيل بلا نهاية ليس حلًا، بل يعكس عجزًا عن مواجهة نقاط الضعف التي نعرفها جميعًا”.
ويقول المهندس هيثم الحريري، عضو مجلس النواب سابقًا، في حديثه لـ”القصة”، إنه طبقًا للدستور المصري فإن مجلس النواب هو الجهة التشريعية في الدولة، المنوط بها تشريع القوانين وإقرارها، لكن الواقع يؤكد عكس ذلك، مضيفًا أن الغالبية العظمى من القوانين تأتي من الحكومة ولا تخرج من لجان مجلس النواب، ويقتصر دوره على مناقشتها وإقرارها وإجراء التعديلات في أضيق الحدود الممكنة.
وأشار الحريري إلى أن ذلك ليس أمرًا غريبًا، بل هو انعكاس لطبيعة الانتخابات وقانون الانتخابات وما يحيط بالعملية الانتخابية من تدخلات وغير ذلك، مؤكدًا أنه ليس مندهشًا من أن القوانين التي تهم مصالح الناس في المقام الأول لا يتم النظر إليها بالشكل الكافي، فيما أن القوانين التي تصدر في الحقيقة تخدم الحكومة أكثر مما تخدم المواطن.
وأضاف الحريري أن سبب تأخر هذه الملفات تحديدًا هو أن المجلس لا يقوم بدوره الحقيقي في تحديد أهم القوانين التي تتعلق بالمواطن ويعمل على مناقشتها، وإنما ينتظر أن تتقدم الحكومة بمشروعات القوانين، ثم يناقشها بعد ذلك.
و أشار إلى أنه لا يوجد أحد في مصر يعلم بالأجندة التشريعية المقبلة لمجلس النواب، خاصة وأن دور الانعقاد الحالي قد انتهى بالفعل، موضحًا أن الجهة الوحيدة التي تعلم هذه الأجندة هي الحكومة، أو مجلس الوزراء على وجه التحديد، بينما النواب أنفسهم، والأغلبية داخل المجلس، لم يعلنوا عن أي أجندة تشريعية محددة أو يتقدموا بمشروعات قوانين بعينها، لذا فإن مجلس النواب، في رأيه، ينتظر فقط ما يحال إليه من الحكومة لمناقشته.
وأكد الحريري أن آخر ما يتم النظر إليه هو التوافق المجتمعي حول مشروعات القوانين، مضيفًا أنه لو كان لهذا التوافق أي اعتبار لدى الحكومة، لكانت مشروعات القوانين تُطرح للنقاش العام، وتُمنح فترة كافية للحوار المجتمعي، مع إتاحة الفرصة للمتخصصين والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني لإبداء آرائهم.
ويرى هيثم الحريري أن دور الانعقاد الحالي شهد أحد أخطر القوانين التي صدرت، في رأيه، وهو قانون جهاز مستقبل مصر، الذي صدر خلال أسبوعين فقط، معتبرًا أن ذلك يعكس رؤية الحكومة في عدم وضع أي اعتبار لآراء النقابات أو المجتمع المدني أو الأحزاب السياسية أو المتخصصين، لكنها تتقدم بمشروعات القوانين إلى مجلس النواب وهي ضامنة موافقة الأغلبية عليها، وإن أُدخلت بعض التعديلات بالتوافق مع الحكومة، ففي النهاية سوف يمر القانون.
وبينما ينتظر المواطنون حسم تلك القوانين خلال دور الانعقاد الثاني، لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت ستتصدر أولويات الأجندة التشريعية مع افتتاحه، أم سيستمر تأجيلها إلى أجل آخر.