لم تكن مس إيمان تدخل مسابقة للتوظيف فحسب، لكن كانت تراهن على سنة ونصف من التدريب والاختبارات، أملاً في الحصول على وظيفة معلمة رياضيات في وزارة التربية والتعليم. اجتازت، بحسب شهادتها لـ«القصة»، الاختبارات الإلكترونية والتربوية والطبية والرياضية، وخفضت وزنها 30 كيلوجرامًا، وأنفقت آلاف الجنيهات على إجراءات المسابقة والتنقلات.
لكن بعد كل ذلك، وجدت اسمها خارج المقبولين.
تقول إيمان إنها تقدمت في مسابقة تابعة لوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني تسمى «مسابقة الدفعة الخامسة»، وخضعت لسلسلة طويلة من الاختبارات التي وصفتها بالصعبة، بينها اختبارات لقياس مستوى الذكاء، واختبارات في مادة التخصص والمواد التربوية.
اجتازت إيمان الاختبارات، ثم التحقت بالتدريب التربوي ونجحت فيه، قبل أن تنتقل إلى مراحل أخرى من المسابقة، بينها الكشف الطبي والتدريب والاختبارات الرياضية.
وتروي أن الكشف الطبي كلفها أكثر من ألف جنيه، بينما كانت تضطر إلى دفع نحو 500 جنيه مقابل التنقل بالحافلة المشتركة إلى الأكاديمية، التي كانت بعيدة عن محل إقامتها.
لم تكن تلك هي التكلفة الوحيدة. تقول إيمان إنها خفضت وزنها بنحو 30 كيلوجرامًا خلال فترة المسابقة، رغم أنها كانت قد أنجبت طفلًا قبل بدايتها بشهرين، وهو ما أثر، بحسب روايتها، على قدرتها على الرضاعة الطبيعية.
اختبارات بعد أخرى
لم تتوقف رحلة إيمان عند الاختبارات الإلكترونية والتربوية والطبية، إذ خضعت لاختبارات رياضية شملت الجري لمسافة 100 متر في أقل من 19 ثانية، واختبار «الزجزاج»، وهو جري لمسافة 90 مترًا في أقل من 30 ثانية، إلى جانب اختبار للتركيز وآخر للقفز لمسافة 120 سنتيمترًا.
تقول إيمان إن الاستعداد لهذه الاختبارات استغرق قرابة عام، وإنها كانت تذهب إلى صالات الألعاب الرياضية للتدريب، رغم أن عمرها وقتها كان 37 عامًا.
وبحسب شهادتها، اجتازت الاختبارات الرياضية، ثم انتقلت إلى اختبار الهيئة، واشترت الزي الرسمي المطلوب وذهبت إلى المقابلة، بعدما أصبح وزنها أقل من 60 كيلوجرامًا.
كانت إيمان تنتظر أن تكون نهاية هذه الرحلة هي التعيين، لكنها فوجئت بعد ظهور النتيجة بعدم قبولها، لتدخل، بحسب روايتها، في حالة انهيار نقلت على إثرها إلى المستشفى.
وتقول: «هذه حالة 30 ألف معلم ومعلمة ظلموا من التعيين».
أرقام تكشف حجم العجز
تأتي شهادة إيمان في وقت تواجه فيه وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني عجزًا كبيرًا في أعداد المعلمين والمعلمات بمختلف التخصصات.
وبحسب بيانات وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، يتراوح إجمالي العجز التراكمي في أعداد المعلمين والمعلمات بين 450 ألفًا و469 ألف معلم، فيما تمثل مادة الرياضيات ما بين 35% و40% من إجمالي العجز.
وفي المقابل، قبلت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني في نتيجة الدفعة الخامسة من مسابقة الـ30 ألف معلم 43 ألفًا و400 معلم ومعلمة، من إجمالي عدد متقدمين تراوح بين 140 ألفًا و200 ألف متقدم خضعوا للاختبارات الإلكترونية والبدنية، وفقًا لبيانات بوابة الوظائف الحكومية.
وبينما تكشف الأرقام عن حجم العجز في أعداد المعلمين، لم تكن إيمان وحدها التي قطعت هذه الرحلة الطويلة من الاختبارات قبل أن ينتهي بها الأمر خارج قوائم المقبولين.
«والدة من أسبوعين»
لم يختلف المشهد كثيرًا عند منى، التي ضاع حلمها، بحسب وصفها في حديثها مع «القصة».
تقول منى إنها معلمة رياضيات تمتلك خبرة 11 عامًا في مجال التدريس بالمدارس الخاصة وغيرها، ودخلت مسابقة التربية والتعليم، الدفعة الخامسة من مسابقة الـ30 ألف معلم، على أمل الحصول على تعيين حكومي.
كان مطلوبًا منها أداء امتحان إلكتروني في العاصمة الإدارية، وقد نجحت فيه، رغم أنها ذهبت إلى الامتحان بعد أسبوعين فقط من الولادة، وكان جرح الولادة، بحسب روايتها، لم يلتئم بعد.
بعد الامتحان، خضعت لتدريب تربوي، وكان معها طفلها الذي كان يبلغ من العمر ستة أشهر، ثم انتقلت إلى الكشف الطبي الذي بلغت رسومه 1008 جنيهات، رغم أن الدفعات التي سبقتها، بحسب قولها، كان الكشف الطبي لها بالمجان.
لكن الوزن كان تحديًا آخر.
تقول منى إن الدفعات السابقة كان متاحًا فيها تجاوز الوزن المثالي بنحو 20 أو 25 كيلوجرامًا، بينما اشترطت دفعتها ألا يزيد الوزن المثالي بأكثر من 10 كيلوجرامات.
كان وزنها المثالي 52 كيلوجرامًا، بينما وصل وزنها بعد الحمل إلى 83 كيلوجرامًا.
بدأت منى رحلة إنقاص الوزن وهي ترعى طفلها، وكان عمره أربعة أشهر، حتى وصلت إلى 58 كيلوجرامًا عندما بلغ تسعة أشهر، وبعد هذه المعاناة تمكنت من اجتياز المرحلة.
من الجري إلى اختبار الهيئة
بعد ذلك، وصلت إليها رسالة الاختبار الرياضي، فتوجهت إلى العاصمة وتركت طفلها مع شقيقتها وحماتها.
تقول إن اليوم كان صعبًا، إذ شملت التدريبات الجري والقفز، مضيفة أنها لم ترَ مبررًا لإخضاع معلمة رياضيات لهذه الاختبارات، كما تصف المعاملة خلال التدريب بأنها كانت صعبة.
وفي اختبار «الزجزاج»، تقول منى إنها أدته بصورة جيدة، لكنها حصلت على 10 نقاط فقط من أصل 40 نقطة.
بعدها وصلت إليها رسالة تفيد بانتقالها إلى اختبار الهيئة، وهو ما يعني، بحسب روايتها، أنها اجتازت الاختبار السابق.
طُلب منها بعد ذلك ألا يزيد وزنها عن 57 كيلوجرامًا، مع خصم درجة عن كل كيلوجرام يزيد على وزنها المثالي البالغ 52 كيلوجرامًا.
سافرت منى مرة أخرى، واشترت البدلة والحذاء بالمواصفات المطلوبة، وكان وزنها يوم الاختبار 55 كيلوجرامًا.
تقول إنها قدمت نفسها أمام اللجنة، وإن القائد أثنى عليها، لتخرج من المقابلة وهي سعيدة ومتمسكة بأمل التعيين، لكنها فوجئت بعد ظهور النتيجة بأنها غير مقبولة.
وبحسب روايتها، لم يُقبل سوى 34 ألف معلم ومعلمة، رغم أن الاحتياج، وفق ما ذكرته، كان يصل إلى 73 ألف معلم ومعلمة.
“مش بس إيمان ومنى”
لم تقتصر الأزمة عند منى وإيمان، إذ تواصل «القصة» مع أكثر من حالة من المتقدمين للمسابقة، وقال أصحاب هذه الشهادات إنهم خضعوا للمراحل نفسها تقريبًا، بما شمل الاختبارات والتدريبات وشروط الوزن.
وتحدث المتقدمون عن تدريبات وصفوها بالشاقة، وإجراءات استلزمت وقتًا وإنفاقًا، قبل أن تنتهي رحلة بعضهم إلى عدم القبول.
وتتشابه الشهادات التي استمع إليها «القصة» في أن أصحابها كانوا ينتظرون التعيين بعد اجتياز مراحل متعددة من المسابقة، لكن إعلان النتائج تركهم أمام سؤال عن المعايير التي حُسم على أساسها اختيار المقبولين واستبعاد آخرين.
ماذا يقول القانون؟
يرى المحامي والخبير القانوني ياسر سعد، أن استبعاد المتقدم بعد اجتيازه جميع الاختبارات يحتاج إلى قرار مسبب، موضحًا أن شروط القبول لا يفترض تغييرها إلا من خلال تعديلات واضحة ومعلنة قبل تطبيقها بوقت كافٍ، وأن تكون متوافقة مع القانون واللائحة التنفيذية وقواعد المساواة وتكافؤ الفرص.
ويقول سعد لـ«القصة» إن من لم يتم اختياره يحق له التقدم بتظلم إلى الوزير، باعتباره الرئيس الأعلى للإدارة التعليمية، وفي حال عدم رد الوزير خلال 60 يومًا، يمكنه اللجوء إلى محكمة القضاء الإداري.
ويضيف أن الغالب في حالات الرفض أن أسبابه لا تكون معلنة بصورة واضحة، إذ قد يقتصر الأمر على إعلان الرفض دون توضيح سببه، وهو ما يجعل معرفة أساس القرار والطعن عليه أكثر صعوبة.
ويشير إلى أن المتقدم يستطيع الطعن على قرار الرفض، خصوصًا فيما يتعلق بأسباب الاستبعاد، موضحًا أن الأسباب قد لا تكون محددة بصورة كافية، وقد تُذكر أسباب مثل الوزن أو الأوراق أو غيرها، بينما قد يكون سبب الاستبعاد مختلفًا.
ويؤكد سعد أن هذه المسألة ليست محسومة بصورة كاملة فيما يتعلق بإعلان أسباب الاستبعاد من عدمه، موضحًا أن الإجراءات والمواعيد القانونية تختلف بحسب القانون المنطبق وطبيعة القرار.
التظلم والطعن
ويوضح سعد أن القواعد العامة المتعلقة بإعلان القرارات الإدارية والتظلم منها والطعن عليها أمام محاكم مجلس الدولة تختلف بحسب نوع القانون المعني، مشيرًا إلى أن إعلان القرار قد يتم من خلال إخطار الشخص المعني بقرار الرفض، سواء بكتاب موصى عليه بعلم الوصول أو الإعلان على يد محضر أو من خلال وسائل الإعلان الإلكترونية المعمول بها قانونًا.
ويضيف أن الرفض الضمني قد ينشأ إذا امتنعت السلطة الإدارية عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه، ويُعد فوات المدة القانونية دون رد بمثابة رفض ضمني في الحالات التي ينطبق عليها ذلك.
ويلفت إلى أن التظلم قد يكون وجوبيًا أو اختياريًا بحسب القانون، وأن بعض القوانين تشترط تقديم التظلم إلى الجهة مصدرة القرار أو السلطة الأعلى قبل اللجوء إلى القضاء.
ويشير إلى أن التظلم يُقدم عادة خلال 60 يومًا من تاريخ العلم اليقيني بالقرار أو إعلانه رسميًا، وأن الجهة الإدارية تلتزم بالرد خلال المدة المحددة قانونًا، والتي تكون غالبًا 60 يومًا.
وفي حال عدم الرد خلال هذه المدة، يعتبر التظلم مرفوضًا ضمنيًا في الحالات التي ينطبق عليها ذلك، ويصبح من حق المتضرر الطعن أمام محاكم مجلس الدولة وفق المواعيد والإجراءات القانونية.
ويختتم سعد بالتأكيد على أن دعوى الإلغاء تُرفع أمام المحكمة المختصة بمجلس الدولة، بصحيفة تتضمن أسباب الطعن وطلبات المدعي، ويشترط توقيعها من محامٍ مقبول للمرافعة أمام المحكمة.
«القصة» ينتظر رد الوزارة
وبعد الاستماع إلى شهادات المتقدمين والتحدث مع المحامي والخبير القانوني ياسر سعد، تواصل «القصة» مع وزير التربية والتعليم والتعليم الفني السابق رضا حجازي، ووكيل وزارة التربية والتعليم خالد خلف قبيصي، ونائب وزير التربية والتعليم للتعليم الفني أيمن بهاء الدين البصال، والمتحدث الرسمي باسم وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني شادي عبدالله زلطة.
كما تواصل «القصة» مع المسؤول عن التواصل مع وسائل الإعلام، لكنها لم تتلقَّ ردًا من أي منهم حتى وقت إعداد التقرير.
وبين شهادات المتقدمين، والأرقام التي تكشف حجم العجز في أعداد المعلمين، تظل الأسئلة معلقة أمام وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني: ما المعايير التي جرى على أساسها استبعاد المتقدمين الذين اجتازوا مراحل متعددة من المسابقة؟ وهل أُبلغ هؤلاء بأسباب واضحة ومحددة لعدم قبولهم؟
ينتظر «القصة» رد وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني على هذه التساؤلات.