اليمن وما أدراك ما اليمن..
الواقع الهيكلي لهذا البلد، والذي تحدده واحدة من أقسى التضاريس وأكثرها وعورة على وجه الكوكب، قد أفشل تاريخيًا كل قوة خارجية حاولت إخضاعه. علينا فقط أن نقرأ ما كتبه الإنجليز عن هذا البلد، ولماذا لم يحاولوا الوصول إلى صنعاء، عندما كانت بريطانيا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، والاكتفاء فقط بحكم عدن والشريط الجنوبي الساحلي المطل على بحر العرب. وبعد تدخل عسكري استمر ثماني سنوات واستنزف مليارات الدولارات دون تحقيق أهدافه، تواجه المملكة العربية السعودية مرة أخرى المعضلة ذاتها في حظوظها الميدانية.
تؤكد التقارير الميدانية الأخيرة وتطورات المشهد تصعيدًا مدمرًا؛ فقد اجتاح مقاتلو حركة “أنصار الله” (الحوثيون) الساحل الغربي لليمن، وسيطروا على مدينة المخا التاريخية، متقدمين نحو إحكام قبضتهم الخانقة على مضيق باب المندب الاستراتيجي وجزيرة ميون (بريم). ولم يقتصر هذا التقدم الميداني الدراماتيكي على قلب الميزان العسكري للمنطقة فحسب، بل كشف عن هشاشة واضحة في عقيدة الأمن الإقليمي الخاصة بتلك المنطقة، مما أرسل موجات صدمة مدوية في عواصم القرار، من واشنطن إلى أنقرة وإسلام آباد والقاهرة.
نقطة الاختناق في البحر الأحمر والتعرض الاقتصادي للرياض
إن سقوط المخا وترسيخ سيطرة الحوثيين مباشرة على مضيق باب المندب، الممر الذي يمر عبره جزء هائل من تجارة الطاقة والحاويات العالمية، يمثل أكبر أزمة تواجهها المملكة العربية السعودية.
ومع مواجهة الممر البحري البديل عبر مضيق هرمز لقيود وتهديدات متزايدة، اعتمدت الرياض بشدة على خطوط التصدير عبر البحر الأحمر، مضاعفةً حجم تدفقات النفط عبر خط الأنابيب الداخلي (شرق-غرب) نحو ميناء ينبع. غير أن الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيرة والصواريخ التي استهدفت البنية التحتية للطاقة وناقلات النفط في البحر الأحمر كشفت بوضوح عن هشاشة هذا الحل البديل وسهولة تعطيله. فمن خلال خنق قدرات التصدير السعودية، رفع الحوثيون التكلفة الاقتصادية للصراع إلى حد غير مستدام، مما أجبر الرياض على التعامل مع خصم عنيد ومتحصن يسيطر الآن على ضفتي مدخل البحر الأحمر الجنوبي.
البرود الأمريكي: تداعيات الهدنة الأمريكية – الحوثية وتجاهل ترامب
ومما زاد من الضغط الاستراتيجي على الرياض هو التحول الواضح في سياسة واشنطن الخارجية. فقد انتهى رسميًا عصر التعاون القديم، حيث كانت مكالمة هاتفية واحدة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تكفل تدخلًا عسكريًا أمريكيًا فوريًا.
وقد وُضعت لبنات هذا الانفصال عبر تفاهمات الهدنة غير المعلنة والترتيبات التي أبرمتها الإدارة الأمريكية مع الحوثيين. فبعد أعوام من الاشتباكات البحرية العنيفة وحملة الضربات الجوية المكثفة، وبعدما تسبب الحوثيون في خسائر مؤلمة للبحرية الأمريكية، تبنت واشنطن مقاربة تهدف إلى تحييد التهديدات المباشرة للأصول الغربية دون التورط في مستنقع بري جديد.
وتأكيدًا لنهجه القائم على شعار “أمريكا أولًا”، أوضح الرئيس دونالد ترامب بجلاء أن واشنطن لن تُجر مرة أخرى إلى مستنقع شبه الجزيرة العربية لإنقاذ شركائها الإقليميين. وحين سعى ولي العهد السعودي مؤخرًا للحصول على دعم عسكري أمريكي لصد التقدم الحوثي، قوبل ببرود دبلوماسي وجدار من الرفض. إن هذه المقاربة النفعية للولايات المتحدة تترك الرياض وحدها في مواجهة خصم صلب.
التحالفات الشمالية الساكنة والتوجه الضروري نحو القاهرة
إدراكًا منها لتصدع المظلة الأمنية الغربية التقليدية، سعت الرياض سابقًا إلى تنويع هندستها الدفاعية، عبر بناء تحالفات دبلوماسية واستراتيجية رفيعة المستوى مع قوى إقليمية كبرى مثل تركيا وباكستان.
إلا أن حدود هذه التحالفات انكشفت بمجرد أن جرى اختبار الجدية على الأرض. فلم تكن لدى أنقرة أو إسلام آباد أي رغبة استراتيجية في التورط بقوات عسكرية في حرب استنزاف طاحنة داخل جبال اليمن الوعرة. فالواقعية السياسية تفرض ألا تخاطر الأطراف البعيدة بالتورط المباشر في جنوب الجزيرة العربية للدفاع عن الحدود الإقليمية السعودية.
ويفسر هذا الطريق المسدود زيارة ولي العهد السعودي السريعة والخاطفة إلى القاهرة. فمع عدم رغبة التحالفات الشمالية في توفير قوات على الأرض ضد الحوثيين، كان على الرياض أن تعود نحو مرساها التاريخية، التي لا غنى عنها: مصر. وفي ظل تشارك البلدين في ترابط أمني عميق، حيث يعد استقرار البحر الأحمر مسألة حياة أو موت لقناة السويس وللأمن القومي المصري على حد سواء، تظل القاهرة الشريك الأكثر قابلية للحياة لتشكيل جبهة دبلوماسية ودفاعية موحدة، لكن أيضًا على المملكة أن تضع في حساباتها أن القاهرة لن تنجر إلى أي تحرك عسكري يعمق المشاكل، بل سيكون تركيزها الأعمق على الدبلوماسية النشطة التي يمكن أن تثمر عن حلول تهدئ وتخمد نيران تلك الأزمة.
الحتمية الدبلوماسية.. الجلوس على الطاولة
تمثل الأحداث المتسارعة عند باب المندب تعسر الحلول العسكرية في اليمن. فتضاريس البلاد تفرض حقيقة واضحة وبسيطة: لا كمية من العتاد العسكري الأجنبي ولا حملات التحالف الخارجية يمكنها السيطرة على هذه المنطقة وإخضاع الحوثيين، الذين هم أهل الشمال اليمني، ولديهم طرق ووسائل متجذرة للقتال الشرس.
وحتى تتمكن المملكة من الخروج بهدوء من هذه العاصفة الجيوسياسية الإقليمية، والوصول إلى حل يضمن لها أمن الحديقة الخلفية، اليمن، يتوجب عليها التفكير في الحلول الدبلوماسية و”الجلوس على الطاولة”، والتعامل مع الحقائق التي فرضها الواقع على الأرض. لم تؤتِ العمليات العسكرية بثمارها حتى الآن في إخضاع الحوثيين، ولم تظهر القوى الكبرى البعيدة رغبة حقيقية في التدخل بأي شكل في هذا الصراع، وأثبتت التحالفات البديلة أنها لا يُعتمد عليها كما كان مأمولًا.
إن الحل الأكثر واقعية هو الدبلوماسية البراجماتية الصارمة. على الرياض أن تتفهم فكرة أن الأمن في شبه الجزيرة العربية لا يمكن فرضه بالقوة، بل يجب التفاوض بشأنه مباشرة مع أولئك الذين يمسكون بزمام الأرض والجغرافيا. وما يتراءى للجميع أن السعودية واليمن شقيقان، ولصالح الطرفين أن يوقفا هذا النزاع، وأن يرجعا إلى الصلات التاريخية العميقة التي تجمع بين الشعبين الشقيقين. وهذا ما نتمنى أن يحدث إن عاجلًا أم آجلًا، فهذه هي طبائع الأمور.