يتوجه المواطن إلى ماكينة صرف الخبز كعادته، ليجد رسالة مفاجئة على الشاشة تقول: “الرقم القومي غير موجود بقاعدة بيانات التموين”. في لحظة واحدة، تتحول رحلة شراء الخبز إلى سؤال كبير: لماذا توقفت البطاقة؟ وهل فقدت الأسرة حقها في الدعم؟
بهذا المشهد بدأت تتكشف أزمة بطاقات التموين التي أثارت حالة واسعة من الجدل والغضب بين المواطنين، في ظل تضارب التفسيرات بين القرارات الرسمية والتصريحات الصادرة عن مسؤولي قطاع المخابز.
وخلال الأيام الأخيرة، تزايدت شكاوى المواطنين من سحب بطاقات تموينية أو حذف أفراد منها دون وضوح كافٍ للأسباب. وبينما يؤكد بعض المتضررين أنهم مستحقون للدعم، يشير آخرون إلى أن الإجراءات الإلكترونية أو الإدارية كانت سببًا في إيقاف بطاقاتهم بالخطأ.
رسالة المدارس الخاصة.. كيف بدأت الأزمة؟
كانت إحدى أكثر الشكاوى إثارة للجدل تلك المتعلقة بحذف الرقم القومي من بيانات التموين بسبب التحاق الأبناء بمدارس خاصة. فقد فوجئ عدد من الأهالي برسالة تفيد بأن البطاقة أوقفت نتيجة دخول الأبناء مدارس خاصة.
غير أن كثيرًا من هؤلاء الأهالي أكدوا أن أبناءهم يدرسون في مدارس خاصة عادية ذات مصروفات محدودة، تقل كثيرًا عن الحد الذي حددته الوزارة للاستبعاد “20 ألف جنيه”. لكن النظام الإلكتروني اعتبر، بحسب الشكاوى، أن مجرد الالتحاق بمدرسة خاصة يعني الانتماء إلى فئة غير مستحقة للدعم، ما أدى إلى وقف البطاقة في بعض الحالات.
شكاوى متزايدة
لم تقتصر الأزمة على المدارس الخاصة، بل امتدت إلى حالات حذف أفراد أثناء نقلهم بين البطاقات التموينية. فبعض المواطنين أشاروا إلى أن الزوجة قد تُحذف بالكامل من المنظومة عند نقلها من بطاقة أسرتها إلى بطاقة زوجها، لتفقد الأسرة حصتها التموينية.
كما اشتكى آخرون من صعوبة تقديم التظلمات إلكترونيًا، وطول فترات الانتظار دون رد، إضافة إلى تعقيد إجراءات إعادة القيد في مكاتب التموين. هذه العقبات جعلت بعض الأسر المستحقة محرومة من حصص الخبز والسلع التموينية لأسابيع بسبب أخطاء إجرائية أو تأخر في مراجعة البيانات.
الكهرباء والعدادات القديمة.. سبب آخر للحذف
ومن بين الأسباب التي أثارت تساؤلات واسعة، ربط وقف بعض البطاقات التموينية بارتفاع استهلاك الكهرباء. وقد أوضح مواطنون أن الاستهلاك المرتفع قد يكون ناتجًا عن اشتراك أكثر من أسرة في عداد قديم واحد، أو بسبب أخطاء في قراءة العدادات التراكمية، وليس بالضرورة مؤشرًا على تحسن المستوى المعيشي للأسرة.
خفض الدعم هو الاتجاه العام للسياسات الحكومية
قال الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي والقيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، إن الخط العام لسياسات الحكومة واضح، وهو مرتبط بالاتفاقات مع صندوق النقد الدولي منذ عام 2016، ويتمثل في خفض الدعم.
وأضاف لـ”القصة”، أن هذه السياسة مقررة منذ سنوات، وقد تراجع الدعم خلالها بدرجة كبيرة، ليس كرقم مطلق فقط، بل كنسبة من الناتج القومي ونسبة من المصروفات الحكومية.
وأوضح أن الدعم انخفض خلال هذه السنوات إلى نحو نصف النسبة التي كان عليها تقريبًا، مؤكدًا أن هذا أمر واضح، وأن ما حدث في الفترة الأخيرة خلال العامين الماضيين يمثل استمرارًا لهذا الاتجاه. وأشار إلى أن خفض الدعم بدأ تحت شعار إلغاء الدعم العيني والتحول إلى الدعم النقدي، لكنه ارتبط في الواقع بتخفيضات متتالية في حجم الدعم التمويني وعدد المستحقين له.
كما أشار الخبير الاقتصادي، إلى أن الحكومة حددت منذ 8 أو 10 سنوات قيمة الدعم للفرد عند 50 جنيهًا، ولم يتم زيادتها حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمتها الفعلية مع مرور الوقت وارتفاع الأسعار.
وأضاف أن هذا الأمر يفسر تخوف المواطنين من تطبيق نظام الدعم النقدي، موضحًا أن الوعود بزيادة قيمة الدعم مع التضخم لا تكفي لطمأنة المواطنين، في ظل عدم وجود ضمانات واضحة لتنفيذ ذلك.
وتابع الشامي أن الحكومة كانت قد أعلنت أن الدعم النقدي سيبدأ تطبيقه في شهر يوليو، إلا أن التنفيذ لم يتم بسبب التخوفات والاعتراضات الكبيرة. ورأى أن ما يحدث حاليًا يتم بصورة تدريجية من خلال اتخاذ خطوات متتالية للوصول إلى هدف تقليص الدعم وعدد المستفيدين منه.
وأشار إلى أن عدد المستفيدين من الدعم كان يبلغ نحو 68 مليون مواطن، وهناك اتجاه لتقليص هذا العدد إلى 56 مليونًا، أي أقل من 40% من السكان، محذرًا من أن ذلك يأتي في ظل ارتفاع معدلات الفقر وتزايد الأعباء الاقتصادية على المواطنين.
وأكد الشامي أن رغيف الخبز يمثل حدًا أدنى من الأمان الاجتماعي والمجتمعي، وأن تقليص الدعم بشكل تدريجي يشكل خطرًا على منظومة الحماية الاجتماعية، كما يزيد من الأعباء المعيشية على الأسر المصرية.
المواطن يتحمل تكلفة ارتفاع الأسعار
من جانبها، قالت الدكتورة حنان رمسيس، خبيرة الاقتصاد، إن تقليل عدد الأرغفة المخصصة للمواطن بدلًا من خفض وزن الرغيف لن يكون أفضل، مؤكدة أن المواطن الذي يحصل على الدعم يحتاج إليه بالفعل، وعلى هذا الأساس تقدمه الدولة.
وأضافت أن الدولة كانت قد أكدت في وقت سابق أنها لن تمس رغيف الخبز المدعم لأنه يمثل أهمية كبيرة للعديد من الأسر، ثم عاد الحديث لاحقًا عن تقليل عدد الأرغفة أو خفض وزنها بهدف تقليل التكلفة.
وأوضحت رمسيس، أن تكلفة الدعم لا يمكن مقارنتها بحجم القروض التي حصلت عليها الدولة لتنفيذ مشروعات لا يشعر المواطن بعائدها المباشر، مؤكدة أن المواطن هو الذي يتحمل في النهاية تكلفة الإصلاح الاقتصادي من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية لدخله.
كما أشارت الخبيرة الاقتصادية، إلى أن الأموال التي تتحملها الدولة في صورة دعم تأتي في الأساس من موارد عامة، ومنها الضرائب التي يدفعها المواطنون، ومن ثم فمن حقهم الاستفادة منها في صورة دعم للسلع الأساسية، وعلى رأسها رغيف الخبز.
وأضافت أن ربط استحقاق الدعم بمعايير مثل استهلاك الكهرباء أو التحاق الأبناء بمدارس خاصة قد لا يعكس دائمًا الوضع الاقتصادي الحقيقي للأسرة، لأن بعض الأسر قد تضطر إلى اختيار مدارس خاصة قريبة من محل السكن أو تتحمل فواتير كهرباء مرتفعة بسبب طبيعة السكن والعدادات القديمة.
وأكدت رمسيس أن سحب بطاقات التموين بشكل كامل ليس الإجراء الأنسب، وكان من الممكن الاكتفاء بوقف الدعم عن غير المستحقين مع الإبقاء على البطاقة، حتى لا تتعرض الأسر المستحقة لمشكلات إضافية نتيجة أخطاء في البيانات أو في تطبيق معايير الاستبعاد.
وفي ختام تصريحاتها، حذرت من أن استمرار ارتفاع الأسعار مع تقليص الدعم قد يؤدي إلى زيادة معاناة الفئات محدودة الدخل، ويزيد من اعتمادها على المساعدات المجتمعية والخيرية لتلبية احتياجاتها الأساسية.
بين شكاوى المواطنين وتحليلات الخبراء، تبقى أزمة بطاقات التموين واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في الشارع المصري. فهل تتجه الحكومة إلى مراجعة قرارات الحذف وتسهيل إجراءات التظلم؟ أم أن سياسة تقليص الدعم ستستمر مع بقاء ملايين الأسر في حالة ترقب وقلق بشأن مستقبل بطاقاتها التموينية؟