مع خروج الوزيرة باستقالة بناء على حكم النقض في قضية سرقة كتاب عن قوت القلوب لكاتبة صحفية في الأهرام، ورغم توقيت إعلانها المختار بعناية قبل مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم، وهو الوقت الذي تفضله لجنة المائة لتنفيذ قراراتها؛ فإنَّ أسئلة المصريين – وإن كانت أقل ضجيجًا من هتافاتهم لفريقهم المثالي المغدور – كالطلقات المحكمة أو كضربات ملاكم لخصمه المتجبر المترنح، فلمن توجه هذه الضربات؟ إن كانت للمستقيلة المدانة بحكم النقض فقد سبق هذه الاستقالة وتلك الإدانة ما يمكن قراءته بتوسع في التقرير الموسوم “بعنوان “كيف تسلل الفساد إلى المتحف المصري الكبير؟” أو التقرير الموسوم بعنوان “جيهان زكي.. الملكية الفكرية تلطخ ثوب الثقافة” الأهم لماذا تمتلئ قنوات التواصل الاجتماعي بهذه اللكمات؟ وعلى غرار همنجواي نتساءل: لمن توجه اللكمات.
ما الذي جرى؟ لنأخذ رواية الكاتبة المسروقة؛ لأن الحكم عنوان الحقيقة؛ تقول: ” دُعيت لحضور ندوة حول كتاب جيهان زكي ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في 27 يناير/كانون الثاني 2024. و أنها قارنت بين العملين فاكتشفت، وجود أجزاء وصفحات كاملة من كتابها، وعناوين فصول وفقرات، فضلًا عن مادة أرشيفية جمعتها ببحث ميداني واستقصائي في ظل ندرة المراجع الموثقة عن الشخصية” وهكذا خاضت الكاتبة معركتها الشريفة التي لم يخذلها فيها القضاء مرة واحدة، وإن خذلها زملاء مهنة وأصدقاء، وفي غمرة الخذلان تتكشف كارثة جديدة.. صحفي زميل هو من كتب للوزيرة الكتاب!
يعلن هذا أحد كبار الصحفيين دون تسمية، لكن إصدارًا ثقافيًّا إلكترونيًّا منبثق عن موقع ثقافي مُتحديَّ (الياء للنسب) يذكر اسم الصحفي في سؤال تعجبي: لماذا يصمت (…)؟ فهل أراد محرر الإصدار والموقع تخفيف الضغط عن كاهل الوزيرة؛ لتقول من ورطها بهذا الشكل؟ وبعد الاستقالة خرجت الصحفية المنتصرة لتتحدث عن محرر الظل بقولها: “تبقى صفحة مظلمة في هذا الملف؛ صفحة كاتب الظل، الظل الثقيل الذي قام بدور اللص الحقيقي، الذي لم أستطع مقاضاته، لأنه لعب دوره من خلف ستار ليقبض ثمن فعلته مبلغا ماليا مقدما وأطماع دفينة في منصب معتبر، فشاء الله أن يحصل على الأولى ويحرم من الثانية بعد ان تفجرت الأزمة، بل شاء الله أن يكشف غطاء الستر عنه وهو أمر عظيم لو يعلم هذا الذي حسب خطأ على المشهدين الصحفي والثقافي.
وفي سياق متصل ظهر للناس وثائقي عن مطرب شعبي، مسروق من حوار صحفي للصحفي الكبير أسامة الرحيمي نشره في نصف الدنيا، ثم أعاد نشره في كتاب صدر 2025م، والسارق يقوم بالإعلان عن إنجازه، الغريب أن السارق هو من ذكر اسمه إصدار الموقع المتحدي، و”عند بشرى الخبر اليقين”!
لماذا لم يقل مكتب محامي الوزيرة المستقيلة: “أسند تحرير الكتاب إلى الصحفي فلان بن مفلون بمقابل مالي كذا، وقد قام دون الرجوع إلينا بالاقتباس دون عزو، ولم تستطع موكلتي مراجعة العمل لانشغالها، كما أن ثقتها في المحرر المذكور دفعتها لاعتماده دون نظر، وهذا لا يعفيها من خطأ الإهمال، لكنه يعصمها من السرقة، وتتعهد بسحب الكتاب ودفع التعويض” أليس هذا ما حدث؟!
يذهب البعض أن ما جرى كان خطأ الشاطر المجتهد مدرس السوربون! فهل تعرف الناس بهذه الشطارة والسربونية؟ وما للسوربونية وللفرانكفونية وللكوزمبيتالينة ولتاريخ الحضارة بالسرقة؟
على المكتبة الوطنية للطب (NLM) يوجد بحث بعنوان: “The hormonal correlates of implicit power motivation” يتناول التأثير المتبادل بين السلطة وهرمون في الجسم، وكيف يتبادلان التأثير بما يؤثر على الإنسان الذي يتولى السلطة، وهذا ما انتبه إليه المؤرخ البريطاني اللورد أكتون حين قال: “السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة” فالكرسي يجعل لصاحبه خصوصًا في المجتمعات الشرقية شعورًا بالهيمنة والقدرة والصلابة والعناد.
يذهب المعالجون النفسيون إلى أن مراحل تقبل الصدمة خمسة؛ الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، القبول، وبدراسة الحالة التي أمامنا في ضوء قراءة التصريح المنسوب للمُدانة في المصري اليوم نطرح هذه الأسئلة: هل كان العناد هو سبب إخفاء السارق الأصلي؟ وهل وصلت إلى المرحلة الثالثة؟ ولماذا أخذت كل هذا الوقت لتجاوز مرحلة الإنكار والعناد؟ وهل ستصل إلى المرحلة الخامسة بمعدل أسرع؟ وهل لهرمون السلطة دور في طول فترة الإنكار؟ سيحسم الأمر أن يعترف الشاطر بغلطته ويقدم اللص الأصلي للمحكمة، أو أن يقبل المطرود من كرسي السلطة الأمر ويكتئب.