كتب: السفير محمد حجازي
تأتي زيارة إيمانويل ماكرون إلى القاهرة ولقاؤه مع عبد الفتاح السيسي في لحظة دولية وإقليمية دقيقة، تتسم بتصعيد المواجهة بين واشنطن وطهران، وبتداخل الأزمات في المنطقة من غزة إلى السودان، وفي ليبيا واليمن، وتصاعد احتمالات المواجهة، بما يفرض إعادة تقييم أنماط الشراكة والتحالفات بين دولتين تُعدّان ركيزتين للأمن والاستقرار في محيطهما الإقليمي. ولذلك، لم تعد مثل هذه الزيارات تُقرأ في إطارها الثنائي التقليدي، بل باتت تعبيرًا عن سعي القوى الدولية والإقليمية إلى إدارة المخاطر في بيئة تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين، حيث تتقدم الحسابات الاستراتيجية على الاعتبارات البروتوكولية.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز المواجهة والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران كأحد أخطر مهددات الاستقرار في المنطقة. وتكمن خطورة هذا التوتر في طبيعته العابرة للحدود، حيث يمتد تأثيره إلى شرايين الاقتصاد العالمي عبر تهديد ممرات حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، بما ينعكس مباشرة على أمن الطاقة وحركة التجارة الدولية. فالمواجهة المحتملة تحمل في طياتها تداعيات واسعة قد تطال استقرار الأسواق العالمية، وتعيد تشكيل معادلات الأمن الإقليمي. فأي تصعيد بين واشنطن وطهران لا يهدد فقط منطقة الخليج، بل يمتد تأثيره إلى مصر وأوروبا على حد سواء، عبر ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتعطل سلاسل الإمداد، وتقلب أسعار الطاقة، وهي كلها عوامل تضغط على الاقتصاد العالمي، وتفرض البحث عن آليات تنسيق أكثر فاعلية بين الشركاء.
ومن هنا، تكتسب العلاقات المصرية – الفرنسية أهمية خاصة، ليس فقط من زاوية التعاون السياسي والأمني، بل أيضًا باعتبارها جزءًا من شبكة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تربط مصر بأوروبا. فقد شهدت العلاقات بين القاهرة وباريس تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث يتراوح حجم التبادل التجاري بين البلدين بين 2.5 و3 مليارات يورو سنويًا، فيما تتجاوز الاستثمارات الفرنسية في مصر خمسة مليارات يورو، من خلال أكثر من 160 شركة فرنسية تعمل في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية والاتصالات والخدمات، إلى جانب التعاون العسكري والمناورات والتدريبات المشتركة، ما يعكس التعاون الاستراتيجي على جميع الأصعدة.
ويأتي هذا التطور الثنائي في إطار أوسع يرتبط بعلاقة مصر مع الاتحاد الأوروبي، والتي شهدت نقلة نوعية مع توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين مصر والاتحاد الأوروبي في مارس 2024، وهي الاتفاقية التي مثلت تحولًا مهمًا في طبيعة العلاقات بين الجانبين، حيث انتقلت من إطار التعاون الاقتصادي التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد. وقد عكست هذه الاتفاقية إدراكًا أوروبيًا متزايدًا لمكانة مصر باعتبارها شريكًا محوريًا في استقرار جنوب المتوسط، سواء في ملفات الطاقة أو الهجرة أو مكافحة الإرهاب أو أمن الممرات البحرية.
كما حملت الاتفاقية بُعدًا اقتصاديًا مهمًا، عبر دعم الاستثمارات الأوروبية في مصر، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية والنقل، بما يجعل من مصر مركزًا إقليميًا للطاقة والتجارة يربط بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تبدو فرنسا واحدة من أبرز القوى الأوروبية الساعية إلى ترجمة هذه الشراكة إلى مشروعات ومصالح ملموسة، خاصة في ظل سعي باريس إلى تعزيز حضورها في الشرق الأوسط وإفريقيا عبر شراكات متوازنة مع القوى الإقليمية الكبرى.
غير أن البعد الاقتصادي لا ينفصل عن الجغرافيا السياسية، بل يتأثر بها بصورة مباشرة، إذ إن تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران يضع ضغوطًا إضافية على الاقتصاد العالمي، ويجعل من الشراكات الاقتصادية أداة لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الأزمات. وفي هذا الإطار، يكتسب التعاون المصري–الفرنسي أهمية مضاعفة، ليس فقط باعتباره إطارًا للتبادل التجاري والاستثماري، بل كجزء من منظومة أوسع تهدف إلى حماية الاستقرار الاقتصادي وأمن الملاحة الدولية في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
وخلاصة القول، يمكن قراءة زيارة ماكرون إلى القاهرة باعتبارها محاولة لدمج الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية في مقاربة واحدة، تسعى إلى تنسيق المواقف إزاء التوترات الإقليمية، وفي مقدمتها احتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وفي الوقت ذاته تعزيز الشراكة الاقتصادية في ضوء الاتفاق الاستراتيجي بين مصر والاتحاد الأوروبي. فهي زيارة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن إدارة الأزمات لم تعد ممكنة عبر تحركات منفردة، بل تتطلب بناء شبكات من التعاون المرن القادر على التعامل مع سيناريوهات معقدة ومتشابكة، حيث تكشف هذه الزيارة عن حقيقة أساسية مفادها أن الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق، وأن التوترات القائمة قد تعيد رسم خريطة التوازنات في المنطقة، بينما تبرز مصر كأحد الأعمدة الرئيسية للاستقرار، وتسعى فرنسا إلى توظيف شراكتها مع القاهرة لتعزيز دورها في نظام دولي يتجه نحو مزيد من التعددية والتنافس، حيث لم يعد الحفاظ على الاستقرار خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية تمليها طبيعة المرحلة.
كما ستشهد الزيارة حدثًا محوريًا يتمثل في افتتاح المقر الجديد لـ جامعة سنجور في الإسكندرية، وهو ما يعكس نموذجًا فريدًا للتعاون الثلاثي بين مصر وفرنسا ودول القارة الإفريقية في مجال بناء القدرات. ويُعد اختيار جامعة سنجور لتكون محطة رئيسية في زيارة الرئيس الفرنسي تعبيرًا عن الاهتمام المشترك بتنمية الكوادر الإفريقية، حيث تلعب الجامعة دورًا حيويًا في تأهيل القيادات الشابة في مجالات الإدارة والصحة والبيئة والثقافة، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة في دول القارة.
والجامعة، التي تحمل اسم ليوبولد سنغور، تُعد إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للتعاون المصري–الفرنسي، حيث تسهم في صقل مهارات الدارسين من مختلف الدول الإفريقية، ليكونوا روادًا للتنمية في مجتمعاتهم ومحركين أساسيين للنمو الاقتصادي.