ما يحدث كل يوم على خط فيصل – التحرير لم يعد مجرد مخالفة مرورية عابرة، بل تحول إلى منظومة بلطجة كاملة تُمارَس على حساب البسطاء.
من المفترض أن ينطلق الميكروباص من موقف فيصل حتى ميدان التحرير بأجرة واحدة موحدة. أما ما يحدث على أرض الواقع فشيء آخر تمامًا. السائق يقطع الخط كل ثلاث محطات، ويحوّله إلى ثلاث مواصلات، كل واحدة بأجرة جديدة.
يركبك من فيصل ويقول لك: «آخرنا الطوابق». فإذا نزلت في الطوابق، وجدت السيارة نفسها والسائق نفسه ينادي: «الطالبية بأجرة جديدة». وهكذا من الطالبية إلى الدقي، ومن الدقي إلى التحرير، تدفع في كل مرة لكي تصل. ومن لا يعجبه يُقال له: «انزل يا باشا». ونفس الفيلم يتكرر في طريق العودة من التحرير إلى فيصل: «آخرنا الطالبية، آخرنا المطبعة، آخرنا المساحة». الراكب الذي يذهب إلى عمله يدفع مرتين وثلاثًا وأربعًا.
القضية حسابية بحتة. إذا كانت أجرة الخط الكامل الملتزم بها عشرة جنيهات ونصف، مثلًا، فإن تقطيعها إلى ثلاث محطات، كل محطة بستة جنيهات، يعني أن السائق يحصل على ثمانية عشر جنيهًا في الفردة الواحدة، أي أكثر من ضعف التعريفة. وهذا ما يدفع السائقين إلى الاتفاق فيما بينهم على التقطيع، خاصة في ساعات الذروة صباحًا، ووقت خروج المدارس، وليلاً، حين يكون الناس مضطرين ولا يجدون بديلًا.
والحجة الجاهزة دائمًا: «البنزين غلي»، و«المرور مزدحم»، و«الدور يخسر». والحقيقة أن الزيادة الرسمية في أسعار البنزين تضع الدولة أمامها تعريفة جديدة معتمدة، وليس من حق أحد أن يفصل تعريفة على هواه.
والدولة ترى ما يحدث وبدأت تتحرك. فقد أعلنت محافظة الجيزة نفسها، قبل أيام، أنها تلقت شكاوى المواطنين المترددين على موقف السرفيس بمحيط مترو جامعة القاهرة، من قيام سائقي ميكروباص خط فيصل بتقطيع خط السير وعدم الالتزام بالتعريفة المحددة، وقام جهاز السرفيس والنقل الجماعي بشن حملات وسحب التراخيص وتوقيع غرامات مغلظة. لكننا نحتاج إلى المزيد، ونحتاج إلى موظفين في جهاز السرفيس لديهم ضمير، ويتابعون على الأرض.
ونفس السيناريو يتكرر في كل أنحاء مصر. وزارة الداخلية تضبط سائقين اعترفوا بأنهم يقطعون المسافة لتحقيق أرباح مالية والحصول على أجرة تزيد على المقررة، وفي حالات أخرى تُفرض غرامة فورية قدرها ألف جنيه، وتُوقف السيارة عن العمل. ونفس الأمر يحدث على الطريق الدائري، وما أدراك ما الدائري.
القانون إذن موجود: سحب رخصة، وغرامة، ووقف خط السير. لكن المشكلة أن الحملات موسمية، تستمر يومين، ثم تعود الأمور إلى سابق عهدها.
والضحية معروفة. هو الموظف الذي يتقاضى أربعة آلاف جنيه في الشهر، ويدفع أربعين جنيهًا ذهابًا وإيابًا بعد التقطيع بدلًا من عشرة جنيهات ونصف. وهي الطالبة التي تتأخر عن محاضرتها لأنها تنزل كل ثلاث محطات لتتشاجر. وهي السيدة المسنة التي لا تقوى على القفز من ميكروباص إلى آخر.
إن تقطيع الطريق ليس مجرد سرقة نقود، بل هو سرقة للوقت والكرامة. حين يقول لك السائق: «عاجبك ولا مش عاجبك»، ويجبر الركاب على النزول في منتصف الطريق، فهذه بلطجة مواصلات مكتملة الأركان.
والحل ليس مستحيلًا، بل هو سهل جدًا:
أولًا: ملصق تسعيرة إلزامي على السيارة. يجب أن يُلصق على كل ميكروباص ملصق كبير من المحافظة يوضح خط السير والأجرة ورقم الشكاوى، كما حدث من قبل.
ثانيًا: كمين ثابت لا متحرك. ليست حملة ليوم وتنتهي، بل كمين ثابت عند جامعة القاهرة، وعند كوبري الجيزة، وفي شارع فيصل، وأي سيارة تقطع خطها يُسحب ترخيصها فورًا لمدة شهر.
ثالثًا: الشكوى بالصورة. على كل راكب أن يصور لوحة السيارة ويرسلها إلى الصفحة الرسمية لمحافظة الجيزة أو إلى منظومة الشكاوى الحكومية. الصورة الآن هي التي تحرك الدنيا، وكل الضبطيات الأخيرة جاءت من منشورات مدعومة بالصور على وسائل التواصل الاجتماعي.
رابعًا: توفير بديل محترم. يعتبر خط فيصل – التحرير من أكثر الخطوط كثافة في مصر. ولو دخلت عليه عشرون حافلة صغيرة تابعة لجهاز النقل الجماعي بأجرة موحدة وكارت ذكي، لانكسر جشع الميكروباص وحده.
الخلاصة: إن تقطيع الطريق على خط فيصل – التحرير ليس فهلوة سائق، بل هو منظومة استغلال كاملة يدفع ثمنها المواطن البسيط مرتين: مرة من جيبه، ومرة من أعصابه. والحل ليس في التربيت على أكتاف السائقين، بل في رقابة يومية حازمة تجعل من يفكر في تقطيع الطريق يعلم أنه لن يعود إلى بيته بسيارته في نفس اليوم.