رنّ هاتفي في أحد أيام 2009.
كان المتصل الأستاذ الكبير الراحل صلاح عيسى.
يناقشني في تقرير نشرته في صحيفة “الدستور”.
دار بيننا حديث طويل عن نقابة الصحفيين.
كنت وقتها في بدايات اهتمامي بالعمل النقابي، أتعلم أكثر مما أتكلم، وأسأل أكثر مما أجيب.
وقتها قال لي عيسى جملة لم أنسها أبدًا.
نقابة الصحفيين تشبه مصر.
ثم سكت قليلًا، وأضاف: “فيها اليساري والليبرالي والناصري والمستقل”.
فيها المؤيدون للسلطة والمعارضون لها.
فيها أبناء المؤسسات القومية والخاصة والحزبية، “ولو غاب هذا التنوع ضعفت النقابة.”
كان عيسى يرى أن النقابة لا تنتصر في قضاياها إلا حين تتسع للجميع.
لم يكن يتحدث عن السياسة.
كان يتحدث عن المهنة.
ومن يومها، كلما نشبت معركة نقابية تذكرت هذه الكلمات.
ثم جرت في النهر مياه كثيرة.
تغيرت مجالس، وجاءت مجالس ورحلت أخرى.
واختلفنا مع زملاء واتفقنا مع آخرين.
لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا.
أن نقابة الصحفيين أكبر من أي تصنيف.
لهذا توقفت كثيرًا أمام التعبير الذي صار يتردد مؤخرًا على لسان زملاء أعزاء بقصد أو بدون قصد: “مجلس اليسار”.
لا أعرف إن كان هذا التصنيف مقصودًا أم لا، لكنني أعرف أن الكلمات ليست بريئة دائمًا.
ونحن، قبل أي شيء، صحفيون، ومن واجبنا أن ندقق في الأوصاف قبل إطلاقها بهذا الشكل العجيب!
والحقيقة ببساطة أن هذا الوصف ليس دقيقًا أصلًا.
بحسابات الورقة والقلم، فالأغلبية الساحقة من أعضاء المجلس الحالي لا تنتمي إلى اليسار، باستثناء اسم أو اسمين على الأكثر.
فلماذا يتحول الوصف إلى حقيقة متداولة؟
ولمصلحة من؟
ثم إنني، كلما سمعت هذه العبارة، ترحمت على أسماء صنعت تاريخًا نقابيًا نفتخر به جميعًا.
صلاح عيسى ورجائي الميرغني وحسين عبد الرازق وغيرهم.
هل كانت أفكارهم اليسارية عائقًا أمام عطائهم النقابي؟
أبدًا.
بل كانوا من أبرز من دافعوا عن المهنة والعاملين فيها، وعن حرية الصحافة، وعن استقلال النقابة.
وكان احترام الجميع لهم يتجاوز أي انتماء فكري.
أما الآن فقد تغير الامر لأسباب “خفية” وغير مفهومة.
فإذا كان هناك من يريد نقد الفكر اليساري، فهذا حقه الكامل.
لكن علينا إدراك أن هذا نقاش سياسي بامتياز، وليس مهنيًا ولا نقابيًا.
أما إذا كان النقد موجهًا لأداء المجلس، فما علاقة كلمة “اليسار” بالأداء؟
ولماذا نخلط بين الأمرين؟
المفارقة أن بعض من يرفعون شعار رفض “تسييس النقابة”، يقعون هم أنفسهم في التقييم السياسي حين يختزلون مجلسًا منتخبًا في توصيف لا يعكس حقيقته.
فالمجلس الحالي لم يهبط على النقابة “بالباراشوت”.
ولم يستولِ على مقاعد مجلسها بالقوة.
بل جاء عبر انتخابات حرة، اختار فيها الصحفيون من يمثلهم.
ومن حق أي صحفي أن يختلف مع المجلس.
ومن حقه أن ينتقد قراراته.
بل إن النقد الموضوعي هو الوقود الحقيقي لأي عمل نقابي ناجح.
لكن تحويل الخلاف المهني إلى تصنيف سياسي، لا يخدم النقابة.
ولا يخدم الحقيقة.
ولا يخدم حتى أصحاب النقد أنفسهم.
نقابتنا، منذ تأسيسها، كانت صورة مصغرة من المجتمع المصري.
مجتمع واسع ومتنوع ومتعدد.
وهذه كانت دائمًا نقطة قوتها، لا نقطة ضعفها.
لهذا أتمنى أن نختلف كما نشاء.
وأن نراجع الأداء.
وأن نحاسب ونسائل.
لكن دون أن نستبدل النقد بالشعارات، أو الحقائق بالتصنيفات.
فالكلمات، في النهاية، تصنع وعيًا.
والصحفي أول من يعرف أن الكلمة إذا خرجت من مكانها، قد تتحول من وصف إلى “لغز” يحتاج إلى تبرير.