تستمر المطالب على مدار السنوات بضرورة منح الشباب فرصًا حقيقية للعمل السياسي. ويخرج المسئولون علينا من حين لآخر بتصريحات عن تمكين الشباب، وترحيبهم بانخراطهم بالسياسة. وهو ما ينتهي دائما عند حد التصريحات الصحفية والحديث المنمق، دون الدخول إلى حيز التنفيذ.
ويستمر إنتاج نفس الوجوه منذ سنوات عديدة، وغض الطرف عن الكوادر السياسية الحقيقية الشابة التي تستطيع التفاعل بشكل حقيقي مع الدولة وأزماتها وآمالها المستقبلية، كما يمكنها طرح مخططات وتقديم طروحات مميزة، من شأنها تغيير الواقع السيء الذي نحياه في الوقت الحالي.
الأرقام لا تكذب:
متوسط أعمار الوزراء في حكومة مصطفى مدبولي خير دليل. فالحكومة الحالية التي تضم 25 وزيرا، تؤكد انصراف الدولة عن إشراك الشباب في الحياة السياسية، وإبعادهم عن المواقع القيادية. فمن بين أعضاء الحكومة وزيرا واحدا تخطى الـ75، وآخر تخطى الـ70، وثالث على مشارفها. بخلاف رئيس الوزراء و10 وزراء آخرين تخطوا الـ60، أي أن أكثر من نصف الحكومة تخطت هذا السن. كما تضم الحكومة أيضا 5 وزراء تخطوا الـ55، و5 وزراء تخطوا الـ50، ووزيرين في عمر الـ50، وهما أصغر أعضاء الحكومة سنا.
سن الشباب شرعا وعلما
العلم يقطع بما لا يدع مجالا للشك أن مسئولينا تخطوا مرحلة الشباب. فمدارس النمو التقليدية تحتسب سن الشباب ما بين 21 إلى 40 عاما. أما منظمة الصحة العالمية فوسعت المرحلة لتشمل الفترة من 18 إلى 44 عاما. حتى الأديان ترى أن الـ40 سن النضج. بينما السلطة السياسية المصرية لها رأي آخر. فقررت أن تمنح مقاعد الحكومة لمن في سن الـ50 سنة إلى ما يقارب الـ80.
هذا الأمر يطرح مزيدا من التساؤلات حول تهميش السلطة للشباب، وعدم وضعهم في مقاعد المسئولية السياسية. وهو ما يبدو أمر عمدي من أصحاب القرار، الذين لا يختارون الشاب مسئولا سياسيا، ولا يفتحون الباب أمامه لممارسة السياسة من أي منفذ آخر.
عمار علي حسن: نزعة الشباب للتغيير تخيف السلطة
قال المفكر السياسي والكاتب، الدكتور عمار علي حسن، إن السلطة السياسية لا تريد للشباب الدخول إلى حلبة السياسة إلا إذا كان تابعين لها، من خلال تنسيقية الأحزاب أو المجموعات الشبابية الملحقة بالأحزاب الموالية للسلطة. كذلك من خلال المجموعات التابعة لهوى السلطة أو اتجاهها داخل الجامعات أو حتى داخل أماكن العمل.
وأضاف حسن، في تصريحات خاصة، أنه خلافا لذلك تدرك السلطة تماما أن الشباب إذا عمل بالسياسة فإنه بالضرورة ينزع إلى الرغبة بالتغيير، وإلى التمرد، وكذلك لمساءلة الوضع الراهن، لأنه معني بمستقبله. وتابع: “على العكس من كبار السن الذين جرى الاعتياد داخل مصر أنهم يميلون للاستقرار، وبقاء الأوضاع كما هي، حتى لو كان فيها غبن، حتى لو كانت قاسية، ولا تعنى بالمستقبل ولا بالصالح العام”.
وأشار المفكر السياسي إلى أن اتجاهات الشباب دائما رافضة للأوضاع السيئة أو العصيبة، راغبة في التغيير للأفضل، ولديهم طرح للمستقبل الذي يهمهم ويشغلهم بالمقام الأول، كونه يخصهم دون غيرهم. موضحا: “من هنا تريد السلطة السياسية تجنيب الشباب جميعًا العمل السياسي، بدليل أنها لا تسمح بوجوده داخل الجامعة أو المدارس. وأردف: “اللهم إلا إذا كان تابعا لها ويدور في فلكها”.
معصوم مرزوق: مشاركة الشباب تحت السطح
أما السفير معصوم مرزوق فقال إن الدولة أكبر من السلطة السياسية، ولها دستور من المفترض أن يسري على الجميع، وينطوي على ضرورة مشاركة كل الشعب بلا استثناء في العمل السياسي، لا سيما الشباب.
وأضاف مرزوق، في تصريحات خاصة، أن المنع والتضييق على الشباب وغيرهم يخرج من السلطة السياسية التي تخشى حدوث أي اهتزاز في التوازن الموجود من وجهة نظرها. مشيرا إلى أن أسلوب مشاركة الشباب أصبح تحت السطح، حيث لم يعد لديه فرصة ولا مكان للعمل الحقيقي على السطح.
ولفت مرزوق إلى أن المنافذ التي من المفترض أن يخرج منها الشباب مغلقة تماما. وتابع: “السياسة داخل الجامعة لم تعد موجودة، كذلك في المدارس. ولم يعد هناك مجالا لتكوين حركة سياسية، بالإضافة لتجميد العمل الحزبي تقريبا. كل هذا من الضروري أن يحرم الشباب من المشاركة السياسية”.
وأكد السفير السابق على أن النزول للجماهير والتحرك أصبح من المحذورات، لذلك فقدت أغلب التشكيلات السياسية أسباب وجودها. موضحا أن الشباب المنشغل بالسياسة وهموم الوطن لا يستطيع التعبير عما بداخله إلا عبر مواقع التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا. وتابع: “كل محاولات التغيير التي يجريها الشباب تكون عبر تلك المنصات، لكنها غير موجودة على الأرض بفعل القمع والتضييق”.
وأردف: “بعض الشباب ممن فقدوا الأمل في العمل السياسي يفرغون الحماس عبر الحفلات والمباريات وما إلى ذلك. وهي الفرصة التي هيئتها السلطة السياسية لهم للانصراف عنها”.
الإسلامبولي: التضييق على الشباب يخالف الدستور
أما الفقيه الدستوري، عصام الإسلامبولي، قال إنه للأسف لا توجد حياة سياسية في مصر. “فالأحزاب مصنَّعة ومكونة عبر أجهزة سيادية، لا سيما هؤلاء الذين وصلوا للبرلمان، إلا فيما ندر”، حسب رؤيته.
وأضاف الإسلامبولي لـ”القصة” أنه منذ ثورة 25 يناير التي قامت بفضل الشباب، وكانت هذه الفئة على رأس الشعب فيها، وثورة 30 يونيو التي صنعها الشباب عبر حركة تمرد، إلا أنه للأسف أغلب هؤلاء الشباب إما خارج الحياة السياسية تماما، وإما صدر ضدهم أحكاما قضائية يؤدونها، وإما محبوسين حبسا احتياطيا طويل المدى، ليس له حدود. مشيرا إلى أن ما سبق يبدو من خلاله وكأن الدولة تعادي الشباب.
ولفت الإسلامبولي إلى أن الجامعات غاب عنها العمل السياسي تماما، موضحًا أنه حتى وسائل الإعلام أغلبها يمثل الدولة، ولا يُخرج إلا صوتها، ما يغيب معه فكرة طرح الرأي والرأي الآخر، خصوصا الآراء الشبابية التي تخرج عن المخطط الذي ترسمه الدولة، وتُنتج كل ما هو جديد ومختلف.
وأوضح الفقيه الدستوري أن الدستور يتحدث عن أحزاب حقيقية وعن شباب يشارك في المشهد. كذلك يتحدث عن قوى سياسية لها قوام ورأي وعمل على الأرض، لكن للأسف كل هذا لم يخرج عن كونه حبرا على ورق، ولم ير النور. وتابع: “الحياة السياسية الديمقراطية تقوم على كل ما سبق، ومنع السلطة السياسية وجود تلك العناصر يمثل مخالفة دستورية صارخة”.
وشدد الإسلامبولي على ضرورة فتح المنافذ أمام الشباب للعمل، وطرح رؤاهم التي تختلف كثيرا عن رؤى الموجودين بالسلطة حاليا. موضحًا أن الأحزاب والحركات السياسية لا بد أن تُمنح الحرية الكافية للعمل على الأرض.
وعن كيفية الرد القانوني على مخالفة السلطة السياسية للدستور، قال الإسلامبولي إن هذه الأمور مسارها الطبيعي هو التقاضي. وتابع: “لكن للأسف الشديد اللجوء للقضاء أو لأي جهة أخرى غير مجد مع السلطة السياسية الحالية. فلابد من تحرك السلطة نفسها وتصحيحها لمسارها”.