منذ أيام قليلة استيقظ العالم على خبر أثار حنق الكثيرين، ألا وهو اختطاف الولايات المتحدة الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إليها تمهيدًا لمحاكمته بتهم تتعلق بالإرهاب وتهريب المخدرات إلى الأراضي الأمريكية، وكما هو المعتاد لم تخلُ تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين من تصوير الأمر وكأنه يصب بالأساس في مصلحة الشعب الفنزويلي ويمثل خطوة مهمة في سبيل خلاصه من ديكتاتورية مادورو وفتح صفحة جديدة نحو حياة ديمقراطية تلوح في الأفق القريب بعد نهاية حقبته المقيتة.
الشاهد
إلا أن الشاهد من تكنيكات هذه العملية أنه على ما يبدو أن الإدارة الأمريكية قد عكفت على دراسة سلوك الأزواج طالبي زوجاتهم في بيوت الطاعة أمام محاكم الأسرة المصرية، فاستطاعت محاكاتها باحترافية شديدة إبان تنفيذ عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي، في استعراض للقوة مع إسباغ القهر بصبغة قانونية وتقديمه كإجراء مشروع لا اعتداء على سيادة دولة من الأعضاء المؤسسين للأمم المتحدة. وكما يحلو لبعض الأزواج التعامل مع زوجاتهم كملكية خاصة، تعاملت الولايات المتحدة مع دولة فنزويلا، وبما أننا نعيش في عالم شديد الحرص على المسميات فلا يعترف أحد بمسمى اختطاف زوجته بل يطلق عليه إعادتها إلى بيت الطاعة «حفاظًا على كيان الأسرة»، والحال بالحال يُذكر، فإن الولايات المتحدة أيضًا لن تقبل بأن يتهمها أحد باختطاف رئيس دولة أخرى ذات سيادة، إذ إن ما فعلته من وجهة نظر إدارتها أنها تدخلت أولًا لإنفاذ القانون بحق من أجرم بحقها، وثانيًا لحماية الشعب الفنزويلي من ديكتاتورية مادورو ومساعدته في نيل حريته وإقامة حياة ديمقراطية على أرضه. وهو ما حدث بالفعل بعد أيام قليلة من العملية الأمريكية، حيث انعقدت جلسة طارئة بمجلس الأمن، وكعادة تلك الجلسات انقسم المجلس بين دول تدين عملية الاختطاف، ودول تدين طريقة تصوير مادورو عقب اختطافه، فيما أدانت الولايات المتحدة الأمريكية من يتحدث عن الاختطاف أساسًا، حيث إنه ومن وجهة نظرها مصطلح غير دقيق، فالولايات المتحدة لم تختطفه بل قامت بتقديمه للعدالة، حيث إنه على حسب تصريحات المندوب الأمريكي بمجلس الأمن «إرهابي وتاجر مخدرات ومسؤول عن قمع شعبه ومعاداة الولايات المتحدة». وفي النهاية، وبرغم اجتماع مجلس الأمن، وبرغم الشد والجذب، وبرغم الاختلاف على صياغة قرار مشترك، إلا أنهم خلصوا جميعًا إلى نتيجة واحدة، أن الحدث خطير ومؤسف لكننا لن نستطيع فعل أي شيء حياله لأنه حدث.
ولكن ماذا عن الشعب الفنزويلي؟ الجميع تحدث عن الخاطف والمختطَف وأغفلوا الحديث عن الشعب الذي انقسم ما بين ثلة من المتباكين عليه من أتباع نظامه، والكثير ممن احتفلوا بالخلاص من حقبته في المنافي والمعتقلات وفي الشوارع والطرقات، حتى وإن اتسمت احتفالاتهم بالحذر الشديد بعد أن اكتشفوا أن السيادة الوطنية يمكن طيها ووضعها بمخزن الحقائب في طائرة عسكرية حطت بالعاصمة وغادرت برأس نظام الدولة دون أن يعترضها صاروخ، ولو من صواريخ الاحتفال بأعياد الميلاد. وما بين مؤيد ومعارض اتفق الجميع على حقيقة واحدة، ألا وهي أن الدولة التي يحكمها ديكتاتور يعتلي الحكم عنوة عبر انتخابات مزورة، ويحكم شعبه بالحديد والنار، ولا تكاد معتقلاته تخلو من معارضيه، وتعج أقبية أجهزته الأمنية بالمختفين قسرًا بمباركة السلطات التشريعية والقضائية التي تعمل تحت إمرته لخدمة مصالحه، ما هي إلا دولة مهزومة، ولكنها لم تكن لتعلم ذلك إلا عندما اختُطف رئيسها من قلب عاصمة البلاد دون حرب.
كما أن الولايات المتحدة ليست بالصديق الذي قد تُوثق به وتُعلَّق عليه الآمال في إقامة مجتمع ديمقراطي، إذ إن الرئيس دونالد ترامب شخصيًا يتهمه الكثيرون داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية بالديكتاتورية، بل إن له العديد من اللقاءات والتصريحات الداعمة لبعض الرؤساء والملوك المعروفين بديكتاتوريتهم، لعل أبرزها تصريحه الشهير عند لقائه بأحدهم: «مرحبًا ديكتاتوري المفضل».
لكن ما الدافع الحقيقي وراء تلك العملية بعيدًا عن الاتهامات المعلنة التي لا تنطلي إلا على الأغبياء؟ وهل إن افترضنا جدلًا حماية الولايات المتحدة لحرية الشعوب ودعمها لحقوق الإنسان وحقه في اختيار حكامه، كما يحلو لأتباعها البغبغة والطنطنة، فهل نجد لهذا الافتراض شاهدًا واحدًا في سجل أفعالها؟
حقيقة الأمر أن الدافع الحقيقي الذي ذهبت إليه جميع التحليلات السياسية هو النفط الفنزويلي، إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، كما أن القرائن تُظهر ما قامت به الولايات المتحدة سابقًا من فرض عقوبات قاسية على قطاع النفط الفنزويلي، ومنع شركة النفط الوطنية الفنزويلية من الوصول إلى الأسواق، والاستيلاء على أصول نفطية فنزويلية في الخارج مثل شركة (سي آي تي جو)، وهي بمثابة الرئة الدولارية للنفط الفنزويلي.
أما فيما يخص ملف حقوق الإنسان والديمقراطية فهي ورقة الضغط التي عادة ما تستخدمها الولايات المتحدة مع أي ديكتاتور تسلل الغرور إلى عقله وهمس إليه شيطانه بالتحرر من الدوران في الفلك الأمريكي، فلا سبيل أمام أي ديكتاتور سوى التسبيح بحمد الولايات المتحدة آناء الليل وأطراف النهار، وإلا نُزع عنه عرشه. ولعل في اختطاف الرئيس الفنزويلي رسالة من الولايات المتحدة الأمريكية مسجلة بعلم الوصول إلى جميع ديكتاتوري العالم، مفادها أن لك كامل الحق في حكم شعبك كيفما تشاء ما دمت تقدم لنا فروض الولاء والطاعة، أما إذا فكرت في معارضتنا يومًا ما فربما تصمد قليلًا، لكن لا تتفاجأ إذا استيقظت من غفوتك على صوت المطربة شيرين عبد الوهاب وهي تغني أغنيتها الشهيرة:
“هتعمل إيه لو نمت يوم وصحيت.. بصيت.. مالقتش نفسك في الرئاسة.. بكيت!”