في كل مرةٍ يسطع فيها نجمٌ مصري في سماء العالم، يتجدد السؤال القديم: لماذا نفرح به كأننا استعدنا أنفسنا، ثم نغضب منه كأننا خسرناها من جديد؟ لعلها ليست أزمة بطلٍ يخطئ أو يصيب، بل أزمة جماعةٍ تبحث في الآخرين عمّا فقدته في ذاتها.
هي ظاهرة تستحق التأمل في السلوك الجمعي المصري كلما لمع اسمٌ لمصري في الخارج، سواء كان لاعبًا أو فنانًا أو إعلاميًا أو عالمًا يتحول فورًا إلى رمزٍ وطني يُحمَّل بما لا يحتمل، من هنا لم تنظر الأغلبية إلى محمد صلاح باعتباره لاعب موهوب أثبت نفسه في بيئةٍ احترافية قاسية، ولا في باسم يوسف إعلاميًا قدّم تجربةً شخصية في التعبير والسخرية، بل يراهما بوصفهما مرآةً لأمانيه المكبوتة وأحلامه المؤجلة.
ومن هنا تبدأ المبالغة: فحين ينجحان، يراهما الناس انتصارًا للأمة كلها، وحين يختلفان معهم في موقفٍ أو تصريح، ينقلب الحب إلى غضب.
المشكلة فينا لا فيهم. أننا نصنع أبطالنا على قدر أمانينا ورغباتنا، لا على قدر ما فيهم من بشرية وحدود وضعف وقوة. نُلبسهم أردية الطهر الكامل والبطولة الخالصة، ونطالبهم أن يظلوا أوفياء لصورتنا عنهم، لا لأنفسهم، فإذا قالوا ما لا نحب، أو تصرفوا بما لا نتوقع، بدأنا ننزع عنهم الألقاب التي أغدقناها عليهم، كأننا نثأر من خيبةٍ فينا لا فيهم. وهكذا نعيد إنتاج دورةٍ متكررة، نفرط في الإعجاب ثم نفرط في الإدانة.
أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تقف عند حدود الفن أو الرياضة، بل تمتد إلى علاقة المصريين بكل من به ملامح القيادة أو التميز في أي مجال. فالمجتمع الذي يبحث عن بطلٍ يخلّصه من واقعه، يحمّله عبء الخلاص كله، ثم يحاسبه إن عجز عن معجزةٍ لم تكن ممكنة أصلًا.
حين نفتقر إلى الإيمان بقدرتنا الجماعية، نحول الفرد إلى أداة تعويضية، نعلّق عليه كل ما لم نحققه، ثم نُسقطه حين يعجز عن حمل أثقالنا.
خلال العقدين الأخيرين يمكن أن نلمح هذا الخيط الخفي الذي يشدّ الوعي الجمعي إلى رموزه، في لحظات الانكسار والنهضة معًا. فالمجتمع الذي طالما جُرح في كبريائه الوطنية، وذاق مرارة الإقصاء والتهميش، يبحث دائمًا عن “وجهٍ” يرمز إليه في مرايا العالم، عن شخصٍ يرفع رأسه في الخارج ليعوض له شعور الانكسار في الداخل.
لذلك فإن المصري لا يرى في بطله مجرد فرد ناجح، بل يرى فيه وعدًا مضمرًا باستعادة المكان والمكانة معًا. ومن هنا تنشأ تلك العلاقة المعقدة بين الحلم والخذلان.
هذه العلاقة تجلّت بصورٍ مختلفة: من زعيمٍ يتصدر المشهد السياسي، وقد حدث خلال السنوات العشرين الماضية أن انقلب كثيرون على من اعتبروه يومًا واحدًا منهم، بسبب تعقيد هذه العلاقة، وكذلك يحدث مع أي فنانٍ أو كاتبٍ أو لاعب كرة يحمل الأمل في عينيه. وكلهم، بطريقةٍ ما، يتحولون إلى أوعيةٍ نفسية لاحتياجات الجماعة، لا لظروفهم الشخصية.
هنا جوهر المأزق، لأن الأمة التي تبحث عن خلاصها في فرد، تعيد إنتاج ضعفها الجماعي. فالبطل الفرد لا يمكن أن يملأ فراغ الأمة، بل الأمة الواعية هي التي تمنح أبطالها معناهم الحقيقي، وتحميهم من أن يُستهلكوا في عواطفها المتأرجحة بين التصفيق والاتهام.
إن الوعي المصري، الذي تشكل على امتداد قرنين من الصعود والانكسار، يحتاج اليوم إلى مصالحةٍ مع ذاته قبل أن يصالح رموزه.
أن يدرك أن البطولة ليست في أن يحمل الآخرون عنه عبء الأمل، بل في أن يتحمل هو مسؤوليته في بناء الأمل نفسه. عندئذٍ فقط، سيكفّ عن صناعة الأبطال ليعلقهم في سماء الحنين، ويبدأ في صناعة واقعٍ يليق به وبهم معًا.
ولعل محمد صلاح هو التجسيد الأوضح لهذه الرمزية الجديدة في المخيال المصري. فهو ابن بيئةٍ بسيطة خرج من قلب الريف إلى قلب أوروبا، دون وساطة سلطة أو دعمٍ مؤسسي، فصار رمزًا لجيلٍ يبحث عن طريقٍ مختلف إلى الاعتراف، نجاحه في ذاته لم يكن مجرد إنجاز رياضي، بل وعدٌ بإمكانية أن ينجح المصري خارج النظام المغلق الذي كبّل أحلام الداخل.
لكنه في الوقت نفسه أصبح أسيرًا لتوقعاتٍ أكبر منه؛ فكل تصريحٍ أو ابتسامةٍ أو صمتٍ منه يُحمّل دلالاتٍ وطنية أو سياسية أو أخلاقية، وكأن عليه أن يكون لاعبًا وسفيرًا ونبيًّا في آنٍ واحد.
وربما آن الأوان أن نراه كما هو: إنسانًا ناجحًا يحمل قصته الخاصة، لا بطلاً يحمل أحلامنا جميعًا. لأن البطولة الحقيقية ليست أن ننتظر من صلاح أن يمثلنا، بل أن نُكمل نحن من حيث بدأ هو أن نصنع لأنفسنا طريقًا يشبهنا، لا ظلًا نلوذ به كلما ضاقت بنا حدود الحلم.
لا تحملوه فوق طاقته، ولا تطلبوا منه ما لا يراه لنفسه. ادعموا فيه النموذج، لا المعبود. احتفوا بجهده لا بوهم الخلاص الذي نعلقه عليه. فمحمد صلاح، في نهاية الأمر، إنسانٌ مجتهدٌ وصل إلى ما وصل إليه بعرقٍ وكفاح، لا بمعجزةٍ نُسبت إليه ولا برسالةٍ أوحيَت له.
لا تجعلوا منه إلهًا من عجوة تأكلونه حين تكفرون به لسببٍ ما. فالأمم لا تُبنى على المبالغات ولا على المشاعر المنفلتة، بل على الوعي الذي يعرف كيف يفرّق بين من ينجح لنفسه ومن يلهم بجهده الآخرين.
صلاح لا يحتاج أن نحمله على الأكتاف، بل أن نحمل نحن أنفسنا إلى مستوى ما يمثله من جديةٍ وإصرارٍ وأمل.
تلك هي البطولة الحقيقية التي تصنع أمة، لا مجرد بطل.