انقضت الحياة، ورحل الأطفال «عمال المزارع»، وبقي الوجع في صدور ذويهم، وتلاشت أخبار الحادثة، وانتهى سرادق العزاء، وغابت عدسات الكاميرات أمام المسؤولين، وبقي الطريق بكل تفاصيله من «حفر وعدم رصف وترع على الجانبين» ينتظر وفودًا جديدة وضحايا جديدة ضمن 15 إلى 20 ألف عامل يخرجون من هذه القرى بحثًا عن لقمة العيش، ويسلكون المسار نفسه عبر عربات النقل، ويتعرضون للمخاطر ذاتها، قبل أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
محررة «القصة» زارت قرى الموت التي بقي في ذاكرتها حادث الدواويس، لتتبع حياة عمال خرجوا في رحلتهم اليومية بحثًا عن الرزق، ولم يعد بعضهم إلى منازلهم، بينما بقي آخرون بإصابات غيّرت حياتهم وحياة أسرهم.
تتبع مسار رحلات 15 ألف عامل يوميًا
من مركز أبوحماد إلى قرية وادي الملاك بمحافظة الشرقية، ظل الطريق أسفل عجلات السيارة ممهّدًا حتى كوبري الفِل، وبعده توجّب عليّ أن أنحرف يسارًا باتجاه القرية؛ وهنا تغيّر كل شيء تحت العجلات.
اختفى الأسفلت الممهّد تدريجيًا، وبدأت الحفر والتكسير تظهر في الطريق المؤدي إلى وادي الملاك. نحو خمسة كيلومترات تقريبًا تفصل كوبري الفِل عن كوبري أبو عزباوي، مقر سكن أسر ضحايا حادث الدواويس، لكنها بدت أطول مع كل جزء متهالك تمر فوقه السيارة.
على جانبي الطريق ترعتان وأراضٍ زراعية، وفي المنتصف طريق بالكاد يتسع لسيارتين متقابلتين، يستخدمه أهل القرية يوميًا في الذهاب والعودة، ويفتقر إلى أعمدة الإنارة.
لم أكن أعبر طريقًا عاديًا إلى قرية، بل كان الطريق نفسه الذي خرج منه عمال وادي الملاك قبل أيام إلى أعمالهم، وعاد منه بعضهم دون آخرين.
وقبل الوصول إلى كوبري أبو عزباوي، بدأت ملامح القرية تظهر؛ بيوت وصيدليات ومحال تجارية صغيرة، وأهالٍ يتحركون في يوم يبدو عاديًا من الخارج، بينما ظل حادث الدواويس حاضرًا في أحاديثهم، وجالبًا لزوار القرية.
دخلت إحدى الصيدليات وتحدثت مع بعض الأهالي. لم أحتج إلى سؤالهم طويلًا عن الحادث؛ فقد كان حاضرًا في الكلام من تلقاء نفسه، لكن الحديث سرعان ما تجاوز الحادث إلى الطريق وما حوله.
«الطريق معدوم»، هكذا وصفه الحاج أيمن الداودي، أحد سكان القرية وأحد أعمام ضحايا الحادث.
ومع حديثه عن الطريق، بدأ يضع أمامي صورة أوسع للمكان؛ فالملاك، بحسب ما قاله الداودي، تضم نحو 35 عزبة وتابعًا، ويعيش بها قرابة 80 ألف نسمة، فيما يخرج منها ما لا يقل عن 15 ألف عامل، أغلبهم يعملون باليومية في المزارع داخل وادي الملاك وخارجه، أو في مصانع العاشر من رمضان.
نقل العمال بسيارات «الدبابة»
في السادسة صباحًا تقريبًا تبدأ حركة العمال وسيارات ربع النقل «الدبابة»، كما أطلق عليها الأهالي، فتحملهم إلى أماكن عملهم ثم تعود بهم في نهاية اليوم.

والطريق الذي يسلكونه ليس طريقًا هامشيًا بالنسبة إليهم، بل هو المسار الأساسي الذي يصل القرية بمناطق العمل والمزارع. لكن الطريق، بحسب الأهالي، لم يحصل على ما يكفي من أعمال التطوير.
وعلى جانبيه ترعتان، طالب الأهالي مرارًا بردم إحداهما أو تبطينها لتوسعة الطريق وزيادة الأمان.
وفي اليوم الذي كنت فيه داخل القرية، لم يكن الحديث عن خطورة الطريق مجرد وصف عابر.
«سيارة مقلوبة داخل الترعة على الأقل مرتين أسبوعيًا»، هكذا رد الحاج أيمن عندما سألته عما يواجهونه على الطريق يوميًا، وقال الأهالي إن مثل هذه المشاهد ليست جديدة.
لم يكن الطريق يحتاج إلى حادث الدواويس وحده كي يخبرني بأنه خطر، لكن الطريق لم يكن المشكلة الوحيدة التي حملها حديث الأهالي. فكلما سألت عن احتياجات القرية، انتقل الحديث من طريق إلى خدمة أخرى غائبة.
طرق متهالكة ومياه شحيحة
في الملاك، يقول الأهالي إن الصرف الصحي غير موجود، وإن عدة منازل تشترك في خزانات للصرف، كما يؤكدون أن مبادرة «حياة كريمة» لم تصل إلى القرية.

أما الخدمات الطبية فتقتصر على وحدة صحية يعتبرون خدماتها مقتصرة على طب الأسرة، وليست مستوصفًا طبيًا شاملًا، بينما تقع أقرب المستشفيات الحكومية في أبوحماد أو التل الكبير، وهو ما يجعل الوصول إلى الرعاية الطبية أكثر صعوبة بالنسبة إلى سكان قرية بهذا الحجم، نظرًا إلى أن المسافة بينها وبين أي من المستشفيين تصل إلى نحو 45 دقيقة تقديرًا.
مياه الشرب، بحسب حديثهم، ضعيفة ولا تصل إلى جميع البيوت بصورة منتظمة، ما يدفع بعض الأهالي إلى جلب المياه من التل الكبير لقربها، لحين أن يرسل لهم مجلس المدينة سيارات لتعبئة مياه الشرب.
حتى المكان الذي يفترض أن يجد فيه الأطفال والشباب مساحة للرياضة لا يبدو، بحسب الأهالي، صالحًا لهذا الدور؛ فالنادي الرياضي، كما وصفوه لي، مجرد غرفة لا تضم ملاعب أو أنشطة رياضية حقيقية.
في قرية لا تتوافر فيها هذه المساحات، يبقى الشارع مكانًا للجلوس، بينما يتجه بعض الشباب مبكرًا إلى العمل، وهنا بدأ يتضح أن حادث الدواويس لم يكن منفصلًا عن تفاصيل حياة القرية.
إصلاح الطريق مرهون بالانتخابات
خلال حديثي مع الأهالي، عرفت أن الطريق شهد أعمال إصلاح مؤقتة في أجزاء منه. ويؤكدون أن مجلس مدينة أبوحماد أجرى أعمالًا محدودة لإصلاح الجزء المتهالك خلال زيارات المسؤولين لأداء واجب العزاء في الأيام القليلة الماضية.
كما شهد جزء من قرية الملاك أعمالًا خلال فترة الانتخابات، تضمنت تبطين نحو كيلومتر من الترعة ووضع أساس للرصف على الطريق باستخدام طبقة من الرمال والحصى، ثم توقفت الأعمال بعد تغيير صفة المرشح من مستقل إلى قائمة «جبهة وطنية».
أما في اليوم الذي كنت فيه هناك، فكان واضحًا أن الطريق لا يزال في حاجة إلى أعمال أكبر من مجرد معالجة مؤقتة للحفر.
وضع الأهالي أمامي قائمة طويلة من المطالب، لكنهم لم يتحدثوا عنها باعتبارها مطالب جديدة بالنسبة إليهم؛ فهي أشياء ظلوا يطلبونها قبل أن يقع الحادث.
العزاء الذي لم يكن عن الحادث وحده
وأثناء وجودي في القرية، كان هناك مشهد آخر يستحق التوقف.
زيارة معلن عنها مسبقًا منذ مساء اليوم السابق لمحافظ الشرقية، وأحد نواب دائرة أبوحماد والقرين، وعدد من قيادات الحزب، لأداء واجب العزاء في الحاج إبراهيم الداودي، الضحية الثالثة عشرة من أبناء القرية.
كان الأهالي قد عرفوا بموعد الزيارة وانتظروها مترقبين منذ الساعة الحادية عشرة صباحًا، فقد وصل إليهم أنها ستكون فرصة لعرض مشكلات الملاك على المسؤولين.
كما شاهدوا سيارات مجلس المدينة تفرش الطريق بالرمال، فظنوا أنها فرصة يغتنمونها لإيصال صوتهم إلى المسؤولين، لكن ما حدث لم يسر كما توقعوا.
وبالمصادفة، أدركت جانبًا من المشهد، حيث رأيت تجاهلًا لمحاولات الأهالي عرض مشكلاتهم، وبذلك تحولت الزيارة التي كان بعض الأهالي ينتظرونها للحديث عن القرية وظروفها إلى زيارة مخيبة للآمال.
كما تحدث الأهالي مؤكدين تجاهل المسؤولين لطرح مشكلاتهم، رغم أن الإعلان السابق عن الزيارة كان قد شجعهم على الاستعداد لعرض مطالبهم.
لم يكن من الصعب فهم سبب تمسكهم بالحديث عن الخدمات؛ فهم لا يريدون طريقًا أفضل فقط، بل يريدون قرية يمكن أن تستمر فيها الحياة دون أن يكون كل احتياج أساسي رحلة أخرى خارجها.
الحادث الذي أعاد ترتيب القرية
لكن خلف كل هذه التفاصيل ظل حادث الدواويس حاضرًا، وكان الأهالي حريصين على تصحيح روايات انتشرت عقب الحادث، ثم تراجعت وسائل إعلام عنها واعتذرت عن بعضها.
قالوا إن الضحايا لم يكونوا أطفالًا، وإن ما تردد عن وفاة ستة أشقاء غير صحيح. وكان الحاج محمد خريبة منهارًا وهو يتحدث عن الذين فقدهم، لكنه أوضح أن المتوفين كانوا من أبناء العمومة وليسوا أشقاء.
وبحسب ما قاله الأهالي، وصلت الوفيات من أبناء القرية إلى 13 حالة، بينهم 10 من عائلة الداودية فقط.
ولم تكن الأرقام وحدها هي ما بقي في ذاكرة المكان؛ كان هناك محمد عبدالمنعم، شاب عاد من الخدمة العسكرية في الليلة السابقة للحادث، ثم خرج صباح اليوم التالي مع عمه إلى العمل.
كان والده مريضًا منذ نحو عشر سنوات، وكان محمد ابنه الوحيد وعائله الوحيد، وله عم ضرير وعمات أخريات من ذوي الإعاقة السمعية، كما كان قد تزوج حديثًا.
خرج إلى العمل ليعول أسرته، ولم يعد
وفي بيت آخر، كان أحد المصابين قد خرج من الحادث بكسور في الحوض والقدم، وأصبح غير قادر على الحركة، بينما والده مريض وسبق أن أجرى عمليات في ظهره ولا يستطيع الحركة بصورة طبيعية.
كان الابن هو من يعول والده، ثم أصبح هو نفسه بحاجة إلى من يعوله. هنا لا تبدو خسارة العمل مجرد خسارة دخل؛ إنها أحيانًا سقوط الشخص الذي كانت أسرة كاملة تستند إليه.
اليومية ليست رقمًا جامدًا
ربما لهذا السبب كان الأهالي حريصين أيضًا على تصحيح ما أشيع عن أجور العمال.
اليومية، بحسب ما قالوه، ليست مبلغًا ثابتًا من 100 أو 150 جنيهًا كما تداولت بعض الروايات، وإنما تختلف بحسب طبيعة العمل والكمية والمهارة، وقد تصل إلى 400 أو 500 جنيه في اليوم.
لكن الرقم، مهما تغير، لا يغير الفكرة الأساسية؛ العامل لا يحصل عليها إذا لم يذهب، والعمل لا ينتظر الطريق حتى يصبح آمنًا.
ومن هنا كانت عودة العمال إلى أعمالهم بعد الحادث أمرًا يبدو حتميًا لكثير من الأهالي.
للمقاول رواية أخرى داخل القرية
حتى صورة السيد سالم الداودي، مقاول الأنفار الذي كان يقود السيارة المتسببة في الحادث، كانت مختلفة داخل القرية عما ظهر في بعض الروايات الأولى.
ويقول الأهالي إنه كان يأخذ أقاربه معه بهدف مساعدتهم، وإن له دورًا في مساعدة العمال وأبناء القرية، خاصة المقبلين على الزواج والمرضى.
فكان يساعدهم في تجهيزات المنزل ويمهلهم في السداد بعد تدبير احتياجاتهم الأساسية، كما يوفر العلاج للمرضى غير القادرين.
كما فقد هو نفسه أربعة من أبناء إخوته وعددًا من أقاربه في الحادث، بحسب الأهالي.
ويشير الأهالي إلى أن السيارة لم تكن تحمل أكثر من نحو 25 عاملًا، وأن انفجار أحد إطاراتها تسبب في الحادث.
لكن بعيدًا عن الروايات المتضاربة حول تفاصيل الحادث، كانت هناك حقيقة واحدة لا تحتاج إلى رواية لتثبتها: الطريق ما زال موجودًا، وتلك السيارات غير الآمنة تعتبر وسيلة المواصلات الوحيدة لهم، سواء كانت مغطاة بصندوق خارجي ومقاعد للجلوس أم مكشوفة.
5 كيلومترات في طريق العودة
في طريق العودة، عدت إلى كوبري أبو عزباوي، وقطعت الكيلومترات الخمسة نفسها حتى كوبري الفِل.
الطريق لم يتغير؛ الترعتان على الجانبين والحفر في أماكنها، وسيارات الربع نقل ما زالت قادرة على المرور، كما أن ضوء النهار قد تلاشى مع الغروب، وظهرت مخاطر غياب أعمدة الإنارة عن الطريق.
وفي السادسة صباحًا سيخرج العمال مرة أخرى.
سيذهب بعضهم إلى المزارع، والبعض الآخر إلى المصانع، وسيتحركون بالطريقة نفسها التي اعتادوها. كثير منهم إخوة وأقارب وجيران، سيجلسون معًا وربما يتحدثون ويتسامرون في الطريق كما كانوا يفعلون قبل الحادث، ثم سيصلون إلى عملهم ويبدأ يوم جديد، وفي المساء ستبدأ رحلة العودة.
5 كيلومترات فقط تفصل وادي الملاك عن كوبري الفِل، لكن بالنسبة إلى أهل وادي الملاك لم تعد هذه المسافة مجرد طريق إلى البيت، بل أصبحت المسافة التي تحمل معهم كل صباح سؤالًا لا يملكون رفاهية الإجابة عنه: هل يعودون جميعًا هذه المرة؟