تقف إثيوبيا في اللحظة الراهنة أمام واحدة من أعقد المراحل الأمنية والسياسية في تاريخها الحديث، إذ لم تعد أديس أبابا تواجه فقط عودة المواجهات العسكرية المسلحة داخل حدودها الشمالية، بل باتت تحيط نفسها برقعة متسعة من التوترات مع جيرانها الإقليميين، مسجلة تصعيداً دبلوماسياً وسياسياً غير مسبوق في وقت واحد مع مصر والسودان وإريتريا.
فعلى صعيد الجبهة الدبلوماسية، طلبت أديس أبابا مغادرة دبلوماسي مصري من أراضيها، بالتزامن مع توجيه اتهامات رسمية لكل من مصر والسودان وإريتريا بدعم وإسناد الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة الفيدرالية ضمن التحالف المعارض الذي تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي، وهي الاتهامات التي سارعت الدول الثلاث لنفيها جملة وتفصيلاً، مؤكدة أنها ادعاءات بلا أساس وتشدد على ثوابت عدم التدخل في الشؤون الداخلية وسيادة الدول.
وتأتي هذه الاتهامات مترافقة مع انهيار الهدوء الأمني وتجدد القتال بقوة في أقاليم تيغراي وأمهرة وعفر عقب تعثر البنود العالقة من اتفاق بريتوريا. وعلى الجبهة الإريترية، وصل التوتر إلى ذروته التاريخية، بعدما أغلقت إثيوبيا سفارتها في أسمرة وطردت 10 دبلوماسيين إريتريين، لترد إريتريا بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية بالكامل وحظر مرور الطيران الإثيوبي فوق أجوائها، وسط تحذيرات من تحول الصراع الداخلي إلى حرب إقليمية مفتوحة على شواطئ البحر الأحمر.
صراع كر وفر والربط مع سد النهضة “كبش فداء” للأزمة الداخلية
وفي قراءة شاملة لأبعاد هذه الجبهات وتداعياتها، قالت الدكتورة أماني الطويل، الخبيرة في الشؤون الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لـ “القصة”، إن الأزمة الموجودة في إثيوبيا أزمة خطيرة للغاية متعددة الجبهات؛ خصوصاً وأن تصريحات دبريتسيون جبريمايكل (رئيس جبهة تحرير تيغراي) المتمثلة في العودة إلى حرب العصابات أو أسلوب “الكر والفر” في حرب إثيوبيا قد تكون منهكة جداً للجيش الفيدرالي، وبالتالي تؤثر مباشرة على موقف رئيس الوزراء آبي أحمد.
وأوضحت الطويل أن مسألة امكانية احتواء الصراع ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعامل الخارجي؛ مبينة أنه في حرب تيغراي الماضية رجحت الكفة لصالح آبي أحمد بعد تلقيه دعماً تسليحياً خارجياً، وبالتالي فإن حجم ومستوى الدعم التسليحي والنيراني الذي يمكن أن يحصل عليه مجدداً هو الذي سيؤثر في المسار الراهن. وأشارت إلى صعوبة تحديد الطرف الذي يميل له الميزان العسكري حالياً رغم استعادة القوات الفيدرالية لمطار ميكيلي، نظراً لوجود جبهات متعددة مفتوحة وقدرات متباينة، إلى جانب فاعلية الدعم الخارجي.
ولفتت الخبيرة في الشؤون الأفريقية إلى إمكانية تحول المشهد إلى صراع إقليمي؛ إذ ربما نشهد حرباً بين إثيوبيا وإريتريا وتغولاً إثيوبياً على ميناء عصب، مشيرة إلى أن الجانب الإريتري لديه أجندة محددة لحماية أمنه القومي، فضلاً عن التاريخ المتباين بين البلدين المتردد بين التحالف والعداء. وأضافت أن الجبهة السودانية تظل مؤثرة بطبيعة سيرورتها وبطبيعة إسناد إثيوبيا لقوات الدعم السريع، مؤكدة أن هذه المعطيات تعد مثالية جداً لنشوب صراع إقليمي مفتوح.
وعن موقف أديس أبابا من القاهرة، أكدت الطويل أن التصعيد الإثيوبي ضد مصر مرتبط بالحالة الراهنة داخل إثيوبيا؛ إذ ترى أديس أبابا أن مصر مؤثرة ليس بالتدخل المباشر ولكن في بلورة التحالفات السياسية والقدرة على الوصول إلى الدول التخومية ذات الحدود المباشرة مع إثيوبيا، وهو ما يثير قلق أديس أبابا ويجعلها تصب جام غضبها على القاهرة.
وأشارت الطويل إلى أن إثيوبيا تربط ملف سد النهضة بملف “تحالف البقاء” المعارض المكون ضد آبي أحمد، واصفة هذا الربط بأنه غير منطقي وتُستخدم فيه القضية كـ “كبش فداء” للتغطية على الأزمة الداخلية التي تسببت فيها أساساً سياسات آبي أحمد؛ بداية من استهدافه للتيغراي وإريتريا، ومحاولاته لبلورة نظام حكم مركزي على حساب النظام الفيدرالي الإثني السائد قبل ولايته، ووصولاً إلى الدفع بالتعديل الدستوري في المادة 39، وهي الإجراءات التي تسببت في احتقان سياسي داخلي واسع.
أزمة أمنية متعددة الجبهات وحسابات القوى الخارجية
من جانبه، أكد أحمد سليمان، الباحث الأول ببرنامج أفريقيا بمعهد “تشاتام هاوس”، “للقصة”، أنه يمكن وصف إثيوبيا بأنها تواجه أزمة أمنية معقدة ومتزايدة، متعددة الجبهات؛ مشدداً على أنه لا يمكن النظر إلى تجدد القتال في تيغراي بمعزل عن التوترات الأوسع في أقاليم أمهرة وعفر.
وأوضح سليمان أن كل صراع من هذه الصراعات تعود جذوره إلى أسباب محلية وأطراف مختلفة، إلا أنها أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة نتيجة تدهور البيئة الأمنية التي تعمل فيها الحكومة الفيدرالية، وتصاعد حالة الاستقطاب بين الفاعلين السياسيين والمسلحين.
وأشار الباحث الأول بـ “تشاتام هاوس” إلى أن الوضع مع إريتريا يثير قلقاً خاصاً؛ حيث يضيف انهيار العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة بُعداً خارجياً مهماً إلى ما بدأ أساساً كصراع داخلي إثيوبي. وحذر من أنه إذا حدثت مواجهة عسكرية مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا، فإن تداعياتها ستتجاوز تيغراي بكثير وقد تؤدي إلى انخراط أطراف إقليمية أخرى.
غير أن سليمان دعا إلى الحذر من افتراض أن اندلاع حرب إقليمية أوسع يُعد أمراً حتمياً، موضحاً أن الأمر يتوقف على ميزان القوى العسكري داخل تيغراي، وحسابات إريتريا، ومواقف الشركاء الخارجيين لإثيوبيا، لافتاً إلى أن الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي الخارجي يمكن أن يؤثر بصورة كبيرة في مسار الصراع.
وحول اتهامات أديس أبابا لمصر والسودان، شدد أحمد سليمان على ضرورة فهم هذه الاتهامات في إطار المنافسة الإقليمية الأوسع؛ فخلافات إثيوبيا مع مصر بشأن النيل وسد النهضة، إلى جانب علاقتها المعقدة مع السودان، تضيف طبقة أخرى إلى الأزمة الحالية، وأكد في الوقت نفسه على أهمية التمييز الواضح بين الاتهامات السياسية التي تطلقها أديس أبابا وبين وجود أدلة مستقلة وموثقة تثبت وجود تورط عسكري مباشر من جانب هذه الدول.
واختتم سليمان حديثه بالتأكيد على أن السؤال الأهم ينحصر في مدى قدرة هذه الصراعات المختلفة على البقاء منفصلة عن بعضها، أم أنها ستبدأ في تغذية بعضها البعض؛ محذراً من أنه في حال تحقق السيناريو الثاني، ستتحول الأزمة الداخلية الإثيوبية بصورة متزايدة إلى أزمة أمنية إقليمية تمتد تداعياتها لتشمل القرن الأفريقي والبحر الأحمر.