المعطف الأبيض وسماعة الطبيب المعلقة على المكتب، علامتان يفترض أن تمنحا المريض شعورًا بالأمان، لكنهما في بعض الحالات تتحولان إلى واجهة تخفي وراءها شخصًا لا علاقة له بالطب. في قرى ومحافظات مصر، ظهرت حالات لأشخاص من خريجي كليات غير طبية، ومهندسين، بل وأشخاص بلا مؤهلات طبية من الأساس، يرتدون الرداء الأبيض ويجلسون خلف مكاتب داخل عيادات أو مراكز تجميل غير مرخصة.
المشكلة لا تتوقف عند ادعاء صفة الطبيب. بعض هؤلاء يكتبون روشتات علاج، ويحقنون المرضى بأدوية مجهولة المصدر، ويتقاضون مبالغ من أشخاص يبحثون عن علاج بسيط، بينما يكتشف المريض أحيانًا، بعد فوات الأوان، أنه لم يكن أمام طبيب من الأساس.
هنا تصبح الحكاية أكبر من مخالفة قانونية؛ فالتشخيص الخاطئ أو الدواء غير المعروف المصدر قد يحول رحلة البحث عن العلاج إلى خطر حقيقي على صحة المريض وحياته.
كيف يدخل «طبيب البير» إلى العيادة؟
تطرح هذه الحالات سؤالًا يتجاوز ضبط كل واقعة على حدة: لماذا يستطيع منتحل صفة الطبيب الوصول إلى المرضى في الأساس؟ وهل المشكلة في أفراد يستغلون حاجة الناس إلى العلاج، أم أن هناك ثغرات تسمح باستمرار نشاطهم لفترات قبل اكتشافهم؟
الجيزة في صدارة حالات انتحال صفة الطبيب
ووفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والسكان والعلاج الحر، جرى رصد حالات لانتحال صفة الطبيب في عدد من المحافظات، تصدرتها الجيزة.
وسجلت المحافظة 70 محضرًا لانتحال صفة طبيب وإدارة منشآت غير مرخصة في مناطق حدائق الأهرام والهرم وأوسيم، إلى جانب غلق عيادة للتغذية العلاجية في الشيخ زايد كانت تديرها صيدلانية تنتحل صفة طبيب بشري.
وفي الإسكندرية، جرى ضبط 12 حالة لمزاولة المهنة دون ترخيص داخل عيادات للتجميل والتغذية العلاجية، كما ضُبطت منتحلتان لصفة طبيب داخل عيادة «إليجانزا» في برج العرب.
أما الفيوم، فسجلت 3 حالات شملت منتحل صفة طبيب نفسي، وسيدة تنتحل صفة طبيبة جلدية وتجميل، إلى جانب حاصل على دبلوم صناعي كان يكشف على المرضى ويكتب لهم الروشتات.
وفي الدقهلية، رُصدت حالة واحدة داخل مركز للتغذية والتجميل في منية النصر، كانت تديره خريجة علوم تمارس الطب دون ترخيص.
الأرقام تكشف جانبًا من المشكلة، لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا هو: لماذا تتكرر هذه الحالات رغم الحملات التفتيشية؟ وهل تكفي العقوبات الحالية لردع من يقرر ارتداء المعطف الأبيض دون أن يكون طبيبًا؟
الاسم يكشف الحقيقة
يقول الأمين العام للنقابة العامة لأطباء مصر، أبو بكر القاضي، إن نقابة الأطباء وضعت رابطًا مخصصًا على صفحتها الرسمية، يتيح لأي شخص إدخال الاسم الثلاثي للتحقق من كون الشخص طبيبًا معتمدًا، ومعرفة تخصصه الطبي.
ويرى القاضي أن هذه الخطوة تمنح النقابة وسيلة للمساعدة في مواجهة ظاهرة انتحال صفة الطبيب من خريجي الكليات المختلفة، الذين يعمل بعضهم في مجالات التجميل والعلاج الطبي والنفسي لفترات طويلة دون رصد مبكر.
من يملك حق التفتيش؟
وأوضح القاضي، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، أن النقابة تُبلغ الجهات المسؤولة فورًا بأي واقعة انتحال صفة أو حالة اشتباه يجري رصدها، لافتًا إلى أن النقابة لا تمتلك الضبطية القضائية التي تخولها ملاحقة المخالفين قانونيًا.
وبحسب القاضي، تقع مسؤولية الضبط القضائي والملاحقة على عاتق العلاج الحر ووزارة الصحة والجهات المحلية المعنية.
وهنا تظهر حلقة أخرى في القضية: النقابة تستطيع التحقق من قيد الطبيب، لكنها لا تملك وحدها أدوات التفتيش والملاحقة، بينما يقع العبء الميداني على الجهات المختصة بالرقابة على المنشآت الطبية.
«العلاج الحر» في مواجهة العيادات المخالفة
ويؤكد القاضي أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تعتمد على جهة واحدة، وإنما تحتاج إلى تعاون مؤسسي ومجتمعي، يبدأ بوعي المريض بحقه في التحقق من الشخص الذي يقدم له الخدمة الطبية.
وأشار إلى أن لجان الحريات والمنشآت في نقابة الأطباء لا تمتلك صلاحيات التدخل السريع أو التفتيش المباشر، ويقتصر دورها على تسجيل المنشأة طبيًا، بينما تتولى جهات العلاج الحر ووزارة الصحة مهمة التفتيش والرقابة الميدانية على مراكز التجميل والعلاج الطبي غير المرخصة.
وأوضح أن تسجيل المنشأة في نقابة الأطباء يعد إقرارًا بأن صاحب المنشأة طبيب مرخص، في حين أن مراكز التجميل المخالفة أو التي تعمل «تحت السلم» لا تمر عبر نقابة الأطباء، لأن القائمين عليها ليسوا أطباء من الأساس.
بين مركز تجميل مرخص وعيادة «تحت السلم»
وشدد أبو بكر القاضي على ضرورة التفرقة بين مراكز التجميل المرخصة التي يمتلكها أطباء جلدية وتجميل معتمدون، وبين المراكز العشوائية غير المرخصة التي يديرها أشخاص ينتحلون الصفة الطبية ولا علاقة لهم بنقابة الأطباء.
ويرى القاضي أن هذا النوع من المنشآت يحتاج إلى تدخل صارم من جهات الضبط القضائي، حتى لا يتحول اسم «مركز تجميل» إلى غطاء لممارسة نشاط طبي خارج الإطار القانوني.
انتحال الصفة.. ظاهرة أقدم من المعطف الأبيض
من جانبه، قال وكيل نقابة الأطباء، جمال عميرة، إن انتحال صفة أي شخص، سواء كان ضابطًا أو طبيبًا أو مهندسًا، موجود في كل مكان، موضحًا أن مصر، مثل غيرها من الأماكن، عرفت هذه الظاهرة في الماضي، وستظل موجودة في المستقبل، في ظل وجود النصب والاحتيال.
وأشار عميرة، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، إلى أن مسؤولية التأكد من الأطباء والعيادات تقع على عاتق جهة في وزارة الصحة تسمى «العلاج الحر»، موضحًا أن الجهة تراقب العيادات والمستشفيات، وتمتلك حق التفتيش والاطلاع على أوراق العيادة للتأكد من الأطباء العاملين بها.
وأضاف أنه في حال أراد المريض أو أحد أفراد أسرته التأكد من طبيب، يمكن الدخول على موقع نقابة الأطباء لمعرفة ما إذا كان الطبيب مقيدًا بها من عدمه، إلى جانب معرفة تخصصه ودرجته العلمية.
من يحدد العقوبة؟
أما عن العقوبات، فأوضح عميرة أن تحديدها ليس من اختصاص نقابة الأطباء، وإنما يقع ضمن مسؤولية القضاء والنيابة والتشريع في مجلس النواب.
وأكد أن النقابة لا تملك قرار فرض العقوبات، وأن العقوبة تبدأ بعد ضبط المتهم وإحالته إلى المحكمة، حيث توجد إجراءات التقاضي والقانون الذي يحدد ما يترتب على الواقعة.
في المقابل، أكد المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، الدكتور حسام عبدالغفار، في بيانات الوزارة الرسمية، أن انتحال صفة الطبيب من أخطر الجرائم التي يتعامل معها القانون بحسم، لأنها لا تمثل مجرد مخالفة إدارية، وإنما جريمة تمس صحة المواطنين وحياتهم بشكل مباشر وتعرضهم للخطر.
وأوضح أن منظومة الرصد والتفتيش الدوري التابعة لفرق العلاج الحر أصبحت تمتلك مرونة وكفاءة لاكتشاف هذه المخالفات والتعامل معها فورًا.
وفي السياق نفسه، أوضح رئيس الإدارة المركزية للعلاج الحر والتراخيص، الدكتور هشام زكي، في البيانات الرسمية لوزارة الصحة، أن الإدارة تنفذ حملات مكثفة ومفاجئة بالتنسيق مع هيئة الدواء المصرية والأجهزة الأمنية، ومنها مباحث التموين والنيابة العامة.
وتشمل الإجراءات المتخذة ضد المخالفين الإغلاق والتشميع الفوري للمنشأة إداريًا فور ثبوت المخالفة، وهو ما حدث مؤخرًا مع عيادات ومراكز، من بينها «Y Care» و«إليجانزا» ومراكز للتغذية العلاجية والتجميل.
كما يجري تحرير محاضر جنائية وإحالة المتهمين إلى النيابة العامة بتهمتي انتحال صفة طبيب بشري وإدارة منشأة طبية دون ترخيص.
وتتضمن الإجراءات كذلك التحفظ على الأدوات والمستحضرات الموجودة داخل هذه المراكز، بما في ذلك الأجهزة الطبية والأدوية مجهولة المصدر أو غير المسجلة لدى هيئة الدواء المصرية.
المريض ليس متفرجًا
وزارة الصحة لم تضع المسؤولية كاملة على جهات التفتيش، إذ شددت في بياناتها الرسمية على أهمية دور المواطن باعتباره شريكًا في الرقابة.
وتؤكد الوزارة أن طلب المريض الاطلاع على ترخيص المنشأة الطبية أو ترخيص مزاولة مهنة الطب للطبيب المعالج ليس أمرًا معيبًا، وإنما حق أساسي للمريض للتأكد من سلامة الخدمة التي يحصل عليها.
كما حذرت من الانسياق وراء الإعلانات الطبية المضللة التي تنتشر عبر صفحات التواصل الاجتماعي، خصوصًا عندما تكون الخدمة المقدمة مرتبطة بالتجميل أو العلاج أو التغذية العلاجية.
لكن خلف كل محضر ضبط ومنشأة أُغلقت، يبقى السؤال الأوسع قائمًا: كم مريضًا يصل إلى هذه الأماكن قبل أن تصل إليها لجان التفتيش؟ وكم شخصًا يستطيع ارتداء المعطف الأبيض وإقناع مريض بأنه أمام طبيب، قبل أن يبحث الأخير عن اسمه في سجلات النقابة؟
فالقضية لا تتعلق فقط بشخص ينتحل صفة طبيب، وإنما بالمسافة بين لحظة دخول المريض إلى العيادة ولحظة اكتشاف الحقيقة.. وهي المسافة التي قد يدفع ثمنها المريض من صحته قبل أن يدفعها المخالف أمام القانون.