بتصميم عبقري ورؤية مهندس مصري تفوّق أمام العالم كله؛ نُقل تمثال رمسيس الثاني في وضع رأسي ثابت أثناء عملية النقل، فكيف حدث ذلك؟ وماذا فعل المهندس صاحب المعجزة الذي جعل العالم يقف مذهولًا أمام هذا الحدث العظيم؟ ومن هو المعجزة المصرية المهندس أحمد محمد حسين؟ هذا ما سنتعرف عليه معًا في القصة.
قصة حياة المعجزة المصرية
الدكتور المهندس أحمد محمد حسين (1944–2017)، أحد رموز الهندسة الميكانيكية في مصر، وأستاذ بكلية الهندسة – جامعة عين شمس، وصاحب الإنجاز الهندسي الفريد في نقل تمثال رمسيس الثاني إلى المتحف المصري الكبير دون تفكيك.
المهندس أحمد حسين تخرّج من جامعة عين شمس عام 1965 حاصلًا على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، ثم نال درجة الدكتوراه في الميكانيكا التطبيقية من جامعة ليفربول في المملكة المتحدة عام 1975.
كرّس الدكتور حسين حياته للعمل الأكاديمي والبحثي والتأليف، فأسهم بمؤلفاته ودراساته في إثراء المكتبة الهندسية المصرية.
ويُعد أبرز إنجازاته قيادته لمشروع نقل تمثال رمسيس الثاني الذي يبلغ وزنه 83 طنًا من ميدانه بوسط القاهرة إلى موقعه الجديد بالمتحف المصري الكبير عام 2006، وهو مشروع أظهر ابتكارًا هندسيًا استثنائيًا.
وقد تميز تصميمه العبقري الذي أبقى التمثال في وضع رأسي ثابت أثناء عملية النقل، ليصبح رمزًا للتفوّق الهندسي المصري الحديث، ورغم رحيله عام 2017، ما زال إرثه العلمي والمهني مصدر إلهام للأجيال الجديدة من المهندسين.
عملية النقل المعجزة التاريخية
في عام 2004، صدر القرار التاريخي بنقل التمثال العملاق الذي يبلغ وزنه نحو 83 طنًا من ميدان رمسيس إلى المتحف المصري الكبير، ورغم أن كل الشركات العالمية التي تقدمت بعروض لتنفيذ المهمة اقترحت تفكيك التمثال إلى قطع ثم إعادة تركيبه بعد النقل،
إلا أن المهندس أحمد حسين قدّم فكرة غير مسبوقة: “أنا هنقل تمثال رمسيس وهو واقف، وبدل ما تبقى جنازة، يبقى موكب”، قالها بثقة في أحد اللقاءات التلفزيونية التي استعادها المصريون أخيرًا مع اقتراب افتتاح المتحف الكبير.
نسبة المخاطرة “صفر”
جندي مجهول وفكرة عبقرية، في عام 2004، صدر قرار نقل تمثال رمسيس الذي يزن 83 طنًا، وبدأت الشركات تتسابق لتقديم حلولها. كانت جميع المقترحات تدور حول فكرتين رئيسيتين: تفكيك التمثال إلى قطع ونقله ثم إعادة تجميعه، أو نقله أفقيًا (نائمًا) على سيارة ونش. هذه الطرق حملت مخاطر كبيرة لسلامة الأثر البالغ الأهمية.
كانت فكرته تقوم على نقل التمثال واقفًا بالكامل مع ابتكار نظام توازن يتيح له التأرجح أثناء الحركة دون أن يفقد ثباته، ورغم التحفّظات الكبيرة من شركات أجنبية وخبراء دوليين، أصر المهندس المصري على رؤيته، مؤكدًا أن نسبة المخاطرة في فكرته “صفر”، وهو ما أثبته لاحقًا عمليًا عندما تم تنفيذ تجربة كاملة على مجسم يحاكي التمثال الأصلي.
وبالفعل، نجحت عملية النقل التاريخية، بمعدات صُنعت خصيصًا لهذه المهمة، من بينها ونش بقدرة رفع تصل إلى 475 طنًا، وكان الإعلام العالمي يتابع الخطوة لحظة بلحظة، وعيون المصريين معلقة على التمثال خشية أن يتعرض لأي ضرر، لكن “المعجزة” تمت، ووصل التمثال إلى موقعه الجديد دون خدش واحد.
وعندما سُئل المهندس أحمد حسين عمن يهدي هذا الإنجاز، أجاب بتواضع: “ما أهدوش لحد، أهدِيه لنفسي، وأهديه لكل المهندسين المصريين والعرب، لأن محدش مديهم فرصة ومحدش حيديهم فرصة”.
تظل قصة نقله الملحمية من موقعه القديم في ميدان رمسيس إلى مقره الجديد معجزة هندسية لم تأخذ حقها بعد، وهي فرصة لتكريم صاحبها، المهندس الراحل الدكتور أحمد محمد حسين.
تحدي الإرادة والإصرار المصري أمام العالم
رغم عبقرية الفكرة، قوبلت بالتشكيك والرفض في البداية من خبراء دوليين وداخليين، واعتُبرت “مستحيلة التنفيذ”، وتم تجميد المشروع.
لكن الموقف تغيّر جذريًا عندما تعرّض الرئيس الأسبق حسني مبارك لانتقاد من شركة فرنسية شككت في قدرة مصر على نقل تمثال بهذا الحجم. جاء القرار السيادي السريع: يُنقل التمثال خلال 4 أشهر.
تم تفعيل فكرة المهندس حسين تحت إشراف رئيس “المقاولون العرب” وقتها إبراهيم محلب، وتم تصنيع معدات مخصصة والاستعانة بونش عملاق سعة 475 طنًا. وللتأكد، تم بناء مجسم كامل بنفس الحجم والوزن واختبار فكرة “النقل واقفًا”، ونجحت التجربة تمامًا.
موكب رمسيس.. واندهاش العالم
في يوم التنفيذ، توافد الإعلام والجمهور لمتابعة “موكب رمسيس”، وعندما طلب المهندس حسين من السائق اختبار ديناميكية الحركة، تمايل التمثال قليلًا ثم عاد إلى وضعه، وهو ما فُسر شعبيًا على أنه “كاد يسقط ولحقوه”، ليتبين في النهاية أن الفكرة العبقرية أثبتت نجاحها.
ولكن بعد وصول التمثال بسلام، تكرر المشهد المعتاد: تجمعت الأضواء والكاميرات حول الوزراء والمسؤولين الذين جاءوا لتهنئة أنفسهم بالنجاح، وظل المهندس أحمد حسين، صاحب الفكرة والمسؤول الأول عن سلامة الأثر، يقف وحيدًا. ولكن من يستحق الأضواء والشهرة هو ذلك المعجزة، وهذا ما حدث اليوم، فمع موعد الافتتاح عادت الأضواء مجددًا عليه.
تكريم لمن يشرف مصر أمام العالم
مع افتتاح المتحف المصري الكبير، يجدد الجميع ذكرى المهندس أحمد محمد حسين، الذي غادر عالمنا، ليبقى اسمه مرتبطًا بأعظم أيقونات المتحف، “الجندي المجهول” الذي أهدى مصر والعالم معجزة هندسية أنقذت تمثال رمسيس من التفكيك، وحولته من حمولة ثقيلة إلى موكب ملكي مهيب.
رحل المهندس أحمد حسين، لكن فكرته الخالدة ما زالت تقف شامخة أمام المتحف المصري الكبير، مثل تمثال رمسيس نفسه، لتذكر الجميع بأن وراء كل إنجاز مصري عقولًا مخلصة لا تبحث عن الأضواء، بل تصنع التاريخ دائمًا في مصر. ورغم رحيله عام 2017، ما زال إرثه العلمي والمهني مصدر إلهام للأجيال الجديدة من المهندسين وللعالم أجمع، أن أبناء مصر عباقرة، وللأبد مصر ولّادة.