تعود لبنان إلى واجهة التوتر الإقليمي مع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، وسط اتهامات متبادلة وتحركات عسكرية تهدد بإعادة إشعال جبهة الجنوب.
وبينما تتمسك إسرائيل بمبررات أمنية لتوسيع عملياتها، يجد لبنان نفسه عالقًا بين تداعيات الصراع الإيراني الإسرائيلي من جهة، وتراجع قدرة حزب الله على فرض معادلاته داخل الساحة اللبنانية من جهة أخرى.
وفي المقابل، تتحرك واشنطن لإعادة ترتيب المشهد عبر مسارات تفاوضية تهدف إلى الحد من نفوذ طهران واحتواء التصعيد، لتبرز تساؤلات حول مستقبل حزب الله، وحدود الدور الإيراني، وما إذا كان الجنوب اللبناني يتجه إلى مواجهة جديدة تتجاوز الحسابات اللبنانية.
حزب الله وإيران وإسرائيل.. هل دخل لبنان مرحلة الصدام المفتوح؟
يدفع لبنان مجددًا ثمن الصراع الإقليمي، بعدما تحوّل الجنوب اللبناني إلى ساحة تتقاطع فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأمريكية، وسط تصاعد التوتر حول سلاح حزب الله ومستقبل وجوده العسكري وبينما تحاول واشنطن دفع المشهد نحو ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، تواصل إسرائيل عملياتها في الجنوب، متذرعة بوجود بنية عسكرية تابعة للحزب، لتبقى الدولة اللبنانية أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تحافظ على سيادتها وأمن مواطنيها، في وقت تتصارع قوى إقليمية ودولية على النفوذ داخل أراضيها؟
إيران تستخدم حزب الله كورقة ضغط إقليمية
قال الدكتور عبد الله نعمه المحلل السياسي والخبير في الشأن اللبناني لـ “القصة” إن إيران تضغط من خلال حزب الله داخل لبنان، وإنها استخدمت الساحة اللبنانية في مراحل سابقة لتصفية حساباتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرًا أن الحزب تحوّل إلى أداة أساسية في إدارة الصراع الإيراني مع خصومها.
وأضاف أن المعارك التي خاضها حزب الله خلال الفترة الماضية لم تكن، من وجهة نظره، مرتبطة بالمصلحة اللبنانية وحدها، مشيرًا إلى أن لبنان والشعب اللبناني هما من دفعا الثمن الأكبر، من خلال سقوط الضحايا وتدمير الممتلكات وخسارة المواطنين لأرزاقهم ومصادر دخلهم.
الحزب أمام تراجع شعبي وسياسي
وأوضح الدكتور عبد الله نعمه أن المشهد الداخلي اللبناني تغيّر بصورة كبيرة، معتبرًا أن نسبة واسعة من القيادات السياسية واللبنانيين باتت ترفض المشروع الذي يمثله حزب الله داخل الدولة اللبنانية.
وأشار إلى أن الحزب، بحسب تقديره، لم يعد قادرًا على تقديم نفسه باعتباره ممثلًا لجميع اللبنانيين أو باعتباره قوة تقاوم إسرائيل من أجل تحرير الأراضي اللبنانية، خاصة بعدما أصبحت علاقته بإيران محورًا رئيسيًا في النقاش الداخلي.
الجنوب اللبناني بين سلاح الحزب والعمليات الإسرائيلية
وتطرق الدكتور عبد الله نعمة إلى منطقة علي الطاهر في جنوب لبنان، معتبرًا أنها تمثل موقعًا عسكريًا مهمًا لحزب الله، وتحدث عن وجود منشآت وأنفاق عسكرية تحت الأرض، معتبرًا أن إسرائيل تستخدم هذه المواقع ذريعة لتبرير توغلها وعملياتها العسكرية في الجنوب.
وفي المقابل، شدد على أن العمليات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني لا يمكن تبريرها، خاصة مع حجم الدمار الذي طال البلدات والمنازل والمحال والبنية التحتية، مؤكدًا أن تدمير ممتلكات المدنيين لا يمكن اختزاله في إطار المواجهة مع سلاح حزب الله.
إسرائيل توسع عملياتها تحت شعار القضاء على سلاح حزب الله
قال نعمة إن إسرائيل تحاول تقديم عملياتها العسكرية في الجنوب باعتبارها جزءًا من مواجهة سلاح حزب الله، إلا أن النتائج على الأرض تجاوزت هذا الهدف، بعدما تعرضت مناطق واسعة للدمار وسقط عدد كبير من الضحايا.
وأكد أن استمرار العمليات الإسرائيلية يفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد من معاناة اللبنانيين، موضحًا أن الدولة والمواطنين هم من يتحملون تكلفة أي تصعيد جديد، سواء كان سببه حزب الله أو العمليات العسكرية الإسرائيلية.
واشنطن تعيد تشكيل المعادلة اللبنانية
ويرى نعمة أن الولايات المتحدة لعبت دورًا أساسيًا في دفع المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، بدعم عربي، معتبرًا أن هذا المسار ساهم في تقليص مساحة النفوذ الإيراني داخل لبنان، وأضعف قدرة حزب الله على فرض معادلاته منفردًا داخل الدولة.
وأضاف أن تراجع الغطاء السياسي والشعبي الذي كان يتمتع به الحزب جعله أمام واقع مختلف، خاصة مع تنامي المطالب بإعادة حصر قرار الحرب والسلم في مؤسسات الدولة اللبنانية، وعدم تركه لأي قوة سياسية أو عسكرية خارج إطار الدولة.
نتنياهو بين الحسابات الداخلية والتصعيد الإقليمي
وأشار الدكتور عبد الله نعمة إلى أن التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان لا ينفصل عن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، معتبرًا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطًا سياسية وانتخابية، وقد يسعى إلى توظيف أي مواجهة عسكرية في تعزيز موقعه السياسي.
وأضاف أن الولايات المتحدة، في المقابل، تسعى إلى احتواء التصعيد الإقليمي، كما ظهر في تعاملها مع ملف غزة، مؤكدًا أن واشنطن تحاول منع اتساع رقعة الحرب، والوصول إلى ترتيبات تضمن تهدئة الجبهات المختلفة.
واختتم نعمة بالتأكيد على أن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة، بعدما أصبحت معادلة السلاح والسيادة والعلاقة مع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة مترابطة بصورة مباشرة، مشددًا على أن استمرار المواجهات لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر اللبنانية، ما يجعل الحل السياسي وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة الخيار الأكثر إلحاحًا للخروج من دائرة التصعيد.