بين أنين الحرب وصوت الطائرات، وفي مدينة أكلها الدمار لكنها ما زالت تنبض بالحياة، خرجت فتاة من قلب غزة تحمل في ملامحها وجع جيل بأكمله وأمل وطن لا يموت؛ هي آمنة سمير صيام، الطالبة الفلسطينية المتفوقة، التي ظهرت نتيجتها في الثانوية العامة اليوم فكانت من الأوائل المتفوقين على غزة. كتبت آمنة قصتها بدموع بصبر الغزيين، وسط حربٍ حولت مقاعد الدراسة إلى رماد، وأحلام الأطفال إلى ذكريات مؤجلة.
تقول آمنة في حديث خاص لموقع القصة: “حياتي في غزة كانت صعبة، ومعاناتي كبيرة بسبب الحرب الوحشية والنزوح الشاق، وهو أصعب ما مررت به.”
لم تكن الدراسة بالنسبة لآمنة مجرد طريق لمستقبل أفضل، بل كانت معركة يومية من أجل البقاء؛ فقد كانت تدرس بعد العصر هربا من حرارة الظهيرة القاسية، وفي الليل كانت تغالب العتمة لانقطاع الكهرباء قائلة: “كنت أذاكر على ضوء بسيط، بينما أصوات القصف تقترب وتجعلني أزداد قلقًا، لكني لم أيأس، تأجل المنهج والامتحانات أكثر من مرة خلال سنتين، وكنت أواجه الخوف والإرهاق، لكني واصلت بإصرار.”
ورغم كل الصعوبات، ظلت آمنة متمسكة بحلمها، كان والداها السند الحقيقي الذي لا ينهار: “أبي وأمي كانا سبب نجاحي أمي لم تيأس لحظة، كانت تشجعني وتدعمني نفسيًا، وتهون علي كل ما أمر به، وتقول لي دائمًا: لا تقلقي من انقطاع الكهرباء أو الإنترنت أو القصف.”
لم يكن في بيتها ترف الدروس الخصوصية أو الوسائل الحديثة، بل كانت الإرادة هي الوسيلة الوحيدة.
تتابع آمنة: “أخي كان يعمل في صيد السمك، يخاطر بحياته أمام الزوارق الحربية الإسرائيلية فقط ليوفر لي المصاريف، كي أذهب إلى الكافتيريا وأذاكر هناك، إخوتي البنات ساعدوا أمي في أعمال المنزل، ولكي يشترين لي بعض الأشياء الصغيرة لتشجيعي نفسيًا ومعنويًا.”
ورغم كل ذلك، واجهت آمنة ظلمًا مضاعفًا — ظلم الحرب، وظلم غياب العدالة التعليمية: “نعم، فقدنا جزءًا كبيرًا من العدالة، لأن معدلي الحقيقي كان أعلى من ذلك، لكن الحمد لله على كل حال.”
“عندما ظهرت النتيجة، لم يكن الفرح عاديًا؛ كان انتصارًا على الموت نفسه”، تقول: “فرحت كثيرًا وشكرت الله، وأول من أبلغتهم النتيجة كانوا عائلتي الذين انتظروا معي لحظة بلحظة، ثم أبلغت أقاربي كانت فرحتهم لا توصف.”
تصف آمنة التفوق في غزة بأنه فعل مقاومة قبل أن يكون نجاحًا دراسيًا:”التفوق في غزة شيء عظيم، لأنه يبني المستقبل ويعمر مدينتنا هو رسالة أننا باقون رغم كل شيء، باقون حتى وإن خلعوا الزعتر والزيتون”
وحين سُئلت إن كانت تشعر أن المجتمع الدولي أنصفهم، أجابت:”لا، لم يُنصفونا، أشعر بالظلم والقهر تركونا وحدنا نواجه مصيرنا، تركونا للإبادة والموت والجوع والنزوح تعرضت أكثر من مرة للخطر وأنا ذاهبة لتقديم امتحاناتي الثانوية، ومن فضل الله نجوت.”
لكن رغم كل هذا الألم، لازالت آمنة تحمل حلمًا كبيرًا في قلبها:”طموحي أن أكون باحثة اجتماعية أخدم وطني وأقف إلى جانب الناس اللي بيعانوا زينا، بجانب ذلك منذ كنت صغيرة وأنا أحلم أن أدرس في مصر، وبدعي ربنا يحقق حلمي.”
وفي نهاية حديثها، وجهت رسالة مؤثرة لكل طالب يعيش وسط الخوف والحصار:”أقول لكل طالب: ثابر، وواصل، ولا تيأس من رحمة الله، حافظ على صلاتك وأدعيتك، وواجه الظروف الصعبة بإيمانك التعليم هو سلاحنا الوحيد، وهو اللي هيبني مستقبلنا ويحررنا من كل قيد.”
من قلب الحصار ولدت آمنة، ومن تحت القصف تخرجت من مدرسة الصبر، لتُثبت أن غزة لا تخرج ضحايا فقط، بل تُنجب الأبطال؛ قصتها ليست مجرد حكاية نجاح، بل شهادة حياة تقول إن في غزة، الشمعة الواحدة أقوى من ألف صاروخ، وإن العلم لا يُقصف، والإرادة لا تُهزم.
