انتشار تريند “قاع الهامور” على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب التفاعل الواسع الذي لاقاه من خلال رواد السوشيال ميديا،لم يتوقف عند حدود كونه تريندًا ساخرًا، إذ بدأ المستخدمون في توظيف شخصيات وعالم “سبونج بوب” للتعبير عن مواقف وشكاوى وتجارب مختلفة في الحياة اليومية، وهو ما فتح الباب أمام سؤال أوسع، لماذا يلجأ المصريون إلى الترميز والسخرية والخيال في في التعبير عن بعض أفكارهم ومواقفهم،بدلًا من طرحها بصورة مباشرة.
يرى الخبير الإعلامي، الدكتور ياسر عبد العزيز أن استخدام الترميز في “قاع الهامور”، له أكثر من دلالة، إذ سمح لبعض المصريين بالتعبير عن الشكوى أو السخرية أو النقد من خلال عالم خيالي، بدلًا من طرحها بصورة مباشرة.
وقال إن هذا الأسلوب يجعل الرسالة مفهومة لمن يعرف “الشفرة” المستخدمة داخل الجماعة، بينما تكون أقل وضوحًا ومباشرة بالنسبة لمن هم خارجها، موضحًا أن علم اجتماع الإنترنت يطلق أحيانًا على هذا النوع من التفاعل “التواصل المشفّر”، أي التواصل الذي يعتمد على وجود معنى مشترك بين أفراد جماعة رقمية.
وفي المقابل، شدد على ضرورة عدم التعامل مع الظاهرة باعتبارها بالضرورة شكلًا من أشكال المعارضة السياسية المستترة، موضحًا أن المعطيات المتاحة تشير إلى أن “قاع الهامور” بدأ كمحتوى ساخر يتناول الحياة اليومية، ثم اتسعت دلالاته لاحقًا وظهرت حوله قراءات سياسية وأمنية مختلفة.
واضاف عبد العزيز، إن انتشار الظاهرة يرتبط بعدة عوامل رقمية واجتماعية، من بينها سهولة استخدام القالب وإعادة إنتاجه، فالمستخدم يستطيع أن يضع تجربة شخصية أو شكوى يومية في إطار الشخصيات والعالم المعروفين.
وأشار إلى عامل آخر يتمثل في “العدوى الشبكية”، موضحًا أن المحتوى لا ينتشر من خلال إعادة النشر فقط، وإنما يضيف كل مشارك شيئًا جديدًا ويفتح المجال أمام آخرين للمشاركة.
وتابع أن الحنين إلى “سبونج بوب” ساهم في انتشار الظاهرة، باعتباره جزءًا من الذاكرة الثقافية لجيل واسع، إلى جانب مشاركة مشاهير وفنانين في التريند، وهو ما ساعد على انتقال “قاع الهامور” من جماعة محدودة إلى مساحة جماهيرية أوسع.
ويرى عبد العزيز أن الظاهرة تعكس، من منظور علم اجتماع الإنترنت، تحول المنصات الرقمية من مجرد مساحة للتعبير الفردي إلى مجال لصناعة المعنى بشكل جماعي، فالمستخدمون لا يكتفون بالتعبير عن الواقع، وإنما يعيدون تخيله داخل “مجتمع افتراضي”، له لغته وشخصياته وقواعده.
وأضاف أن “الميم”، أصبح بدوره وسيلة لبناء هوية جماعية مؤقتة، فيما تساعد الفكاهة على تقليل كلفة التعبير وخلق إحساس بالمشاركة والانتماء.
ولفت عبد العزيز الي انه لا يرى أن “قاع الهامور” يمكن اختزاله في كونه احتجاجًا مقنّعًا أو مجرد مزحة عابرة، وإنما يعتبره مثالًا على استخدام الجماعات الرقمية للسخرية والترميز والخيال في إعادة تفسير الواقع والتفاعل معه، مع بقاء دلالاته السياسية والاجتماعية قابلة لأكثر من قراءة.
بينما قال عبد الحميد زيد، أستاذ علم الاجتماع السياسي ،إن “قاع الهامور” يمثل نوعًا من أنواع العمل في الفضاء الاجتماعي الذي خلقته وسائل التواصل الاجتماعي، موضحًا أن السيولة في المعلومات وتدفقها، إلى جانب قدرة الناس على التواصل مع بعضهم أو مع مصادر المعلومات، بغض النظر عن صاحب المعلومة ومكان وجوده، جعلت هذا النوع من التفاعل أمرًا طبيعيًا.
وأضاف أن الفضاء الاجتماعي بطبيعته تخيلي، ولذلك تجد الأفكار التخيلية من يساندها ويتفاعل معها، موضحًا أن انتشار مثل هذه الأفكار وتوسعها يرتبط أيضًا بأن “أننا نسير وراء الموضة”، وأن فيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي تمثل نوعًا من المستجدات التي يبحث المواطن العادي عن اهتماماته من خلالها.
وأشار زيد إلى أنه يتصور أن المواجهة الواقعية والفعلية قد تتطلب أو تحاط بشروط ومحددات كثيرة، وهو ما قد يجعل الوصول إليها غير متاح للكثيرين،موضحًا أن الأحزاب السياسية الموجودة حاليًا لا تستطيع استقطاب الناس لطرح أفكارهم، كما أنها لا تستطيع التعبير عن متطلبات واحتياجات هؤلاء الناس، وبالتالي فإن المجتمع، عند طرحه لأفكار أو مشكلات تواجهه، قد لا يجد منافذ طبيعية أو واقعية ينشغل بها.
وأضاف أن الانشغال أو الانخراط في مثل هذه المسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي أسهل كثيرًا من الانضمام والدخول في مؤسسات فعلية للتعبير عن المطالب أو طرح وجهات النظر لمعالجة المشكلات الحقيقية والواقعية،قائلًا إن المواطن يستطيع أن يفتح موقع “فيسبوك” ويقول ما يريده وهو جالس في مكانه، في حين أن الانشغال بالعمل السياسي أو الحزبي، أو في مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني أو أي مؤسسات أخرى، يتطلب وقتًا وجهدًا، وقد يتطلب أيضًا التطوع بالمال أو الجهد، وهي أمور يجد المنخرط في هذا المجال صعوبة فيها.
وأكد زيد أن التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي أكثر سهولة ويسرًا، كما أنه يمنح مساحة واسعة للمتنافسين، وقد يتيح لهم الدخول بأسماء مستعارة، بما يجنبهم الانفتاح أو المعرفة بالآخر، وهو ما يسهل هذه المسائل.
وتابع أن استخدام المصريين للرموز، وما إذا كان ذلك نابعًا من الخوف من الرقابة، نفى زيد ذلك، موضحًا أن المسألة مرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي نفسها.
وأشار إلى أن المواطن يلجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الاجتماعي لأنها تمنحه فرصة للتحدث ومشاهدة ردود الأفعال على أفكاره، دون أن تظهر ملامحه ومواصفاته وسماته أو أن يعبر عن شخصيته الحقيقية.
وأضاف أن كثيرين، أو أغلبية المستخدمين، يكتبون على “فيسبوك” أو منصات التواصل الاجتماعي بأسماء مستعارة أو رموز، معتبرًا أن ذلك يمثل نوعًا من التخفي وراء هذه الرموز لعرض أفكار قد لا يجرؤ الشخص على عرضها إذا كان معروفًا للناس.
وفي سياق متصل، قال الخبير الإعلامي، ياسر سرحان إن السخرية من الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدى الشعب المصري “مسألة معروفة وفي جينات المصريين”، مشيرًا إلى أن موضوع “قاع الهامور” تحديدًا، باعتباره إسقاطًا سياسيًا، “ليس محض مصادفة”.
وأضاف سرحان أن تحوّل “قاع الهامور” إلى تريند أمر “مدبّر”، موضحًا أن المصطلح جاء أساسًا من لعبة، ثم بدأ استخدامه على نطاق واسع كنوع من السخرية، مؤكدًا أن مثل هذه الأمور “لا تأتي بمحض المصادفة البحتة، خاصة عندما تكون مرتبطة بألعاب”.
وأشار إلى أن استخدام المصريين للمصطلح جاء بصورة بريئة وطبيعية، نتيجة لطبيعة تعاملهم مع التريندات، قائلًا إن المصريين “عندما يجدون تريند يتفاعلون معه ويستخدمونه بسرعة”.
وتساءل سرحان: ” من جعل هذا الموضوع تريند؟»، معتبرًا أن هذا السؤال تحديدًا يحتاج إلى “تفحيص وتمحيص، والنظر حوله”.