أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

من ميناب إلى بحر البقر.. دم الطفولة واحد والوجع واحد

بقلم/ الدكتور داود زرین پور – الملحق الثقافي الإيراني

 

في صباحٍ يشبه كلَّ صباحات العالم، كانت حقائبُ صغيرةٌ تمضي إلى مدرسةٍ ابتدائيةٍ للبنات في مدينة ميناب، كما تمضي في أيِّ قريةٍ أو مدينةٍ أخرى. عند الساعة التي يرنُّ فيها الجرسُ عادةً إيذانًا بتبديل الحصص، دوّى انفجارٌ مزّق الجدرانَ والسقف، وترك تحت الركام دفاترَ مفتوحةً على أسماءٍ لم تُكمِل سطورها. مائةٌ وثمانون روحًا—معظمُها طفلاتٌ بين السابعة والثانية عشرة—ارتفعت فجأةً من ضجيج الفصل إلى صمت السماء، وخمسٌ وتسعون جريحةً حملن أثر اللحظة في أجسادهن.

أخبار ذات صلة

أرشيفية
لماذا تتعامل الحكومة مع المواطن كعبء؟.. سياسيون يجيبون
Screenshot_٢٠٢٦-٠٥-٠٥-٢٠-٤٥-٤٣-٦٦٦_com.android
سفينة الأشباح في الأطلسي.. فيروس "هانتا" يباغت العالم ويفجر مخاوف "الإغلاق الكبير"
جان لوك ميلانشون
الإليزيه على صفيح ساخن.. هل يفعلها "ميلانشون" في المحاولة الرابعة ويقود اليسار لعرش فرنسا؟

المشهدُ، في قسوته، يعيد إلى الذاكرة صباحًا آخر في الثامن من أبريل 1970، حين استُهدفت مدرسةٌ ريفيةٌ في بحر البقر بمحافظة الشرقية، فسقط ثلاثون طفلًا ودُمِّر المبنى بالكامل. هناك أيضًا كانت السبّورةُ تنتظر درسًا في الحساب، وكان الأطفالُ يتهجّون كلماتٍ عن الوطن والحياة. وهناك أيضًا قيل إن الهدفَ عسكريٌّ، وإن الخطأ وارد. لكن الطفولة لا تُختصر في هامشِ تقرير، ولا تُختبَر بميزانِ الاحتمالات.

بين المدرستين مسافةُ جغرافيا، لكن بين الألمَيْن تطابقُ روح. حين تُقصف مدرسة، لا تُستهدف حجارةٌ فحسب؛ يُصاب المعنى الأعمق للمدرسة بوصفها وعدًا بالمستقبل. المدرسةُ ليست مبنىً محايدًا في خرائط الصراع، بل هي الرمزُ الأكثر نقاءً لفكرة الاستمرار الإنساني: أن يتعلّم طفلٌ اليوم كي يَحيا غدًا في عالمٍ أقلَّ عنفًا. فإذا تحوّل هذا الرمزُ إلى هدف، فإن السؤال يتجاوز السياسة إلى الأخلاق.

القانون الدولي الإنساني، كما نصّت عليه اتفاقيات جنيف وسواها، يقرُّ بحماية المدنيين، ويمنح الأطفال عنايةً خاصةً زمن الحرب. هذه نصوصٌ راسخةٌ في الضمير القانوني العالمي. غير أنّ تكرار المآسي يطرح سؤالًا مؤلمًا: ماذا يبقى من الكلمات حين لا تحمي أجسادًا صغيرةً من شظية؟ أليس في تباعد القول والفعل ما يجعل الخطابَ عن “حقوق الطفل” يبدو أحيانًا كأنه صلاةٌ بلا أثرٍ في الواقع؟

ليس المقصودُ أن نغرق في الجدل، بل أن نتأمّل صورةً واحدة: مقعدٌ دراسيٌّ فارغ، وحقيبةٌ لم يعد صاحبُها إليها. في تلك الصورة تتكثّف المأساة، وتذوب الحدود. الألمُ هنا لا يحمل جنسية، والدمعةُ لا تتكلّم لغةً بعينها. لذلك فإن التعاطف ليس اصطفافًا، بل استجابةٌ فطريةٌ لجرحٍ إنسانيٍّ مكشوف. من يرى طفلةً تحت الركام، يرى طفلته هو؛ ومن يسمع صرخةَ أمّ، يسمع صدى قلبه.

التاريخُ يُظهر أن استهداف المدارس—أينما كان—يترك أثرًا يتجاوز لحظة الانفجار. في بحر البقر تحوّلت بقايا الدفاتر وقطع القنابل إلى شاهدٍ في متحفٍ صغير، كأن الذاكرة أصرّت أن تقول إن الدرس لم ينتهِ. وفي ميناب سيبقى الركامُ جزءًا من سردية المكان، علامةً على أن العالم لم يكن يقظًا بما يكفي. الذاكرةُ الثقافية للشعوب تحفظ ما قد تتجاوزه البياناتُ العاجلة.

حين تُستهدف الطفولة، يسقط القناع عن كلِّ خطابٍ يبرّر العنف باسم الضرورة. لا ضرورةَ تبيح اقتلاع زهرةٍ قبل أن تتفتح. وإذا كان العالمُ قد اعتاد لغةَ التوازنات، فإن ثمة لغةً أقدم وأبقى: لغةُ الضمير. في هذه اللغة، لا يُقاس الفعلُ بحسابات الربح والخسارة، بل بقدرته على صون الحياة.

الشيءُ الذي آلمَكَ آلَمني… لأن الألم حين يصيب طفلًا يصبح إنسانيًا خالصًا، ولأن المدرسة—حيثما قامت—هي بيتُ البراءة. وحين يُوجَّه الصاروخ إلى بيت البراءة، فإن الشظايا لا تصيب جدارًا فحسب، بل تمتحن معنى الإنسان فينا جميعًا.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

المحامي مالك عدلي
مالك عدلي: لا علاقة للحريات بالأمن القومي|حوار
اليوم السنوى لمرضى الهيموفيليا
هل يهدد نظام "نفقة الدولة" حياة مرضى الهيموفيليا؟
مشغولات ذهبية
تراجع محدود في سعر الذهب محليًا
2026_5_4_17_20_29_888
توترات الخليج تدفع بأسعار الخام إلى الصعود.. وبرميل النفط يسجل هذا الرقم

أقرأ أيضًا

وائل الغول
مشروع "الحرية" والحرب الخفية
images - 2026-05-04T163345
بين التهديد وإعادة التموضع.. ماذا تعني رسالة خامنئي
الراقصة سهير زكي
سهير زكي.. رحيل "راقصة الزعماء"
الابتزاز الإلكتروني
الابتزاز الإلكتروني.. جريمة رقمية تبدأ برسالة وتنتهي بعقاب