لم يعد السؤال: لماذا تهتف الجاليات؟ بل أصبح: من الذي يدفع ثمن الميكروفون أصلًا؟
تحولت مشاهد استقبال الرئيس في العواصم الأوروبية من تعبير تلقائي عن الانتماء، إلى لوحات مُقامة بعنايةٍ تتداخل فيها ميزانية الدولة مع جيوب رجال الأعمال، ثم تُقدَّم للجمهور على أنها محبة وطنية خالصة.
ووسط هذا كله، يغيب الصوت الوحيد الذي يملك حق المحاسبة؛ صوت المواطن الذي لا يعرف أنه الممول الأول للمشهد، حتى وإن لم يُدعَ إليه
من منظور سياسي، تبدو الحشود وكأنها خرجت بعفويةٍ شديدة، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
فالدولة التي تمنع التجمعات والاحتشاد داخل حدودها، تحرص على أن يسمع العالم الخارجي التصفيق، وكأن الشرعية تُقاس بحجم الصوت أمام الكاميرات.
كل لافتة، وكل علم، وكل وجبة تُوزَّع بعنايةٍ شديدة لتقديم تأييد شعبي مثالي، كأن الوطنية تحتاج إلى بروتوكول خاص.
هذا التمثيل المصطنع يجعل المشهد يبدو وكأنه احتفال جماهيري حقيقي، بينما الواقع الداخلي غالبًا مختلف.
المال لا يختفي ببساطة، بل يدور في دورةٍ محسوبة.
جزء من التكلفة يتحمله المال العام عبر السفارات والقنصليات تحت بند “العلاقات العامة”، وجزء آخر يُسدَّده رجال الأعمال المقرَّبون بحثًا عن عائد سياسي أو اقتصادي لاحق، سواء كان ذلك في شكل إعفاءات، أو عقود، أو امتيازات تجارية.
المواطن هو الطرف الخاسر في النهاية، إذ يساهم بشكلٍ غير مباشر في كل هذا من خلال الضرائب والأسعار، بينما تُقدَّم الحشود على أنها محبة وطنية خالصة.
فلا يظهر الحشد فجأة، بل هناك تنسيق مسبق يشمل التواصل مع الجمعيات، ونقل الأشخاص بالأتوبيسات من دول مجاورة، وتوزيع اللافتات والأعلام، وحتى تقديم وجباتٍ أو بدلاتٍ رمزية لضمان الحضور.
بعض الحضور لا يُقيم أصلًا في الدولة المستضيفة، بل يتم “استيرادهم” كمؤثراتٍ صوتيةٍ في مشهد يظهر وكأن التأييد طبيعي وعفوي، بينما هو مُخطَّط له حتى أدق التفاصيل.
دول أخرى تُظهر قادتها في الخارج بطرق مختلفة؛ فبعضها يعتمد على الظهور الرسمي فقط دون استيراد الحشود، أو يترك للجاليات حرية الحضور من دون دفع أو تنظيم مسبق.
الفرق أنه في حالتنا، التنظيم المتقن يجعل المشهد يبدو وكأنه انتصار سياسي وجماهيري في آن واحد، رغم أن الأمر أقرب إلى عرضٍ بروتوكولي مدفوع الثمن.
كل هذه الجهود والميزانيات لا تهدف إلا إلى خلق صورةٍ إعلاميةٍ مثالية، بينما لا يُسمح غالبًا بالتعبير عن الرأي داخل البلاد.
المواطنون الذين لا يُستشارون في هذا الدعم، يدفعون الثمن مرتين: مرة مباشرة من الضرائب، ومرة من قبولهم.
ويبقى السؤال الأهم: إذا كان الهتاف حبًا للوطن، فلماذا يحتاج من يدفع تكلفته؟
وهكذا يتحول التصفيق من تعبير عن الانتماء إلى فاتورة سياسية تُسدد على حساب المواطن، بينما يُستثمر إعلاميًا في الخارج، كأن الوطنية سلعة تُشترى وتُباع.