في ظل الحديث المتزايد عن ترتيبات اليوم التالي للحرب في قطاع غزة، تتصاعد التساؤلات حول مستقبل القطاع ومن سيتولى إدارة شؤونه بعد انتهاء الحرب، خاصة مع طرح خطط دولية تتضمن تشكيل إدارة تكنوقراطية ونزع سلاح الفصائل وإعادة الإعمار، وسط حضور أمريكي ودولي متزايد في تفاصيل المشهد.
خريطة القوى المرشحة لحكم القطاع في الخطة الأمريكية
وبينما تطرح هذه الترتيبات نفسها باعتبارها محاولة لإعادة الاستقرار إلى غزة، تثير في المقابل مخاوف فلسطينية من أن تتحول إلى شكل جديد من الوصاية الدولية، أو أن تؤدي إلى فصل القطاع سياسيًا وجغرافيًا عن الضفة الغربية، بما يفتح الباب أمام إعادة رسم شكل النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل القضية برمتها.
وفي هذا السياق ، قال المحلل السياسي الدكتور نعمان توفيق العابد في تصريحات لـ “القصة”، إن ما يحدث، سواء من خلال خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو قرار مجلس الأمن الدولي 2803، لا يشكل حكمًا لغزة كما أراده الفلسطينيون أو الوسطاء العرب وتركيا، موضحًا أن قطاع غزة أصبح بين مصيرين، أولهما الوصاية الأمريكية المغلفة بغطاء دولي، والثاني استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
ويضيف العابد أن تجسيد الاحتلال على أرض الواقع يظهر من خلال إجبار طرف على تنفيذ ما هو مطلوب منه، في الوقت الذي لا يتم فيه الضغط على الطرف الآخر لتنفيذ التزاماته، إلى جانب انتقاء وتغيير الأولويات في تطبيق مراحل الاتفاق، وهو ما لا يجعل الوضع سليمًا من الناحية الفلسطينية أو من ناحية الوسطاء فيما يتعلق بمصير قطاع غزة.
ويرى الدكتور نعمان توفيق العابد أنه لا يعتقد أن مسألة نزع السلاح واستبعاد حماس يمكن أن تتم بنسبة 100%، مؤكدًا في الوقت نفسه أن أي سلطة في غزة لن تنجح، حتى لو تم نزع السلاح، دون وجود وحدة وطنية فلسطينية.
ويؤكد أن أي جهة فلسطينية بمفردها لا تستطيع إدارة الشأن الداخلي الفلسطيني أو التعامل مع الاستحقاقات الإقليمية والدولية، سواء كانت الفصائل المنضوية تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية أو الفصائل الموجودة خارج إطار المنظمة.
ويشير العابد إلى أنه كان من المفترض، حتى قبل السابع من أكتوبر، أن تتجه القيادات الفلسطينية نحو وحدة وطنية، إلا أن ذلك أصبح واجبًا بصورة أكبر بعد السابع من أكتوبر، من خلال تشكيل موقف فلسطيني موحد ووفد فلسطيني موحد ورؤية فلسطينية موحدة، لأن المستهدف، بحسب رأيه، هو كل الفلسطينيين وليس حماس أو الجهاد فقط، وإنما القضية الفلسطينية نفسها.
يرى الدكتور نعمان توفيق العابد أن لجنة التكنوقراط ليست أكثر من هيكل إداري ضعيف، ولا تملك من القرار شيئًا، موضحًا أنها لا تستطيع حتى التحدث إلى الصحافة دون إذن من ميلادينوف أو بلير أو غيرهما.
ويعتبر العابد أن اللجنة تمثل جزءًا هامشيًا في المشهد الكلي، مشيرًا إلى أنه حتى إذا أصبحت واجهة للحكم مستقبلًا، بافتراض تطبيق الخطة ودخولها إلى قطاع غزة، فإنها ستكون بلا حول ولا قوة، وستنفذ تعليمات الهياكل الإدارية الأخرى في مجلس السلام، والتي تنفذ بدورها المصالح الإسرائيلية.
ويضيف أن اللجنة إما ستكون مجرد واجهة، أو لن يسمح لها بالعمل، وربما يجري حلها في مرحلة لاحقة تحت أي حجة إذا لم تستطع تنفيذ التعليمات التي ستوجه إليها.
يرى الدكتور نعمان توفيق العابد أن ما يجري يمثل فعليًا وصفة حقيقية للفصل السياسي والديموغرافي والجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية، حتى لو انتهت حماس كليًا من الوجود.
ويوضح أن الحديث عن إنهاء حماس، سواء قيادات أو أفراد، يمثل نهجًا إسرائيليًا، معتبرًا أن إسرائيل تفكر في القضاء على كل من شارك في السابع من أكتوبر، سواء عبر الاستهداف الجسدي أو إبعاده عن قطاع غزة.
ويؤكد أن ما يحدث قد يؤدي إلى فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، مع محاولة مستقبلية للإيحاء بأن هذا يمثل حقًا فلسطينيًا تم منحه للفلسطينيين، بينما يتم تجاهل الضفة الغربية والقدس، رغم ما تشهده المنطقتان من صراع على الأرض وعلى وجود الإنسان الفلسطيني.
يرى الدكتور نعمان توفيق العابد أن الحديث عن إعادة إعمار غزة لن يذهب بعيدًا إذا استمرت الخطة بالشكل المطروح، موضحًا أنه في حال تطبيق الخطة بالكامل، فقد تكون النتيجة تجمعات سكانية ضعيفة لا توفر سوى الحد الأدنى من مستوى الحياة.
ويشير إلى أنه إذا حدث إعمار، فلن يكون، من وجهة نظره، لصالح الشعب الفلسطيني، وإنما لصالح شركات استثمارية يقودها بلير وكوشنر وغيرهما من المسؤولين عن ترتيبات قطاع غزة.
ويختتم العابد بالتأكيد على أن المطلوب هو وجود موقف واضح من الكل الفلسطيني بشأن السيناريوهات المطروحة، والتساؤل حول وجود موافقة فلسطينية عليها والثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون، إلى جانب ضرورة البحث عن وحدة وطنية فلسطينية والتعامل مع القضية الفلسطينية ككل، وليس من خلال ملفات جزئية مثل الخط الأصفر أو الإعمار الجزئي أو لجنة بلا صلاحيات حكم.