أثار قرار الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية إنهاء ولاية المدعي العام كريم خان موجة من التساؤلات بشأن مستقبل المحكمة، ومدى تأثرها بالضغوط السياسية، خاصة في ظل التحقيقات الجارية المتعلقة بالحرب في قطاع غزة، وما إذا كانت هذه التطورات قد تنعكس على استقلال المؤسسة القضائية الدولية وقدرتها على مواصلة محاسبة مرتكبي الانتهاكات.
وفي هذا السياق، حذر عدد من الخبراء من أن توقيت القرار يثير علامات استفهام حول مستقبل منظومة العدالة الدولية، مؤكدين أن استقلال المحكمة يظل الركيزة الأساسية للحفاظ على مصداقية القانون الدولي.
توقيت الإقالة يمس استقلال القضاء الدولي
قال الدكتور طارق البرديسي، أستاذ العلوم السياسية، إن أي خطوة تؤدي إلى إقالة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان في هذا التوقيت تحمل دلالات سياسية بالغة الخطورة، وتمثل مساسًا باستقلال القضاء الدولي.
وأوضح أن ما يحدث يعكس تغليب الاعتبارات السياسية على المبادئ القانونية، بما يهدد مكانة العدالة الدولية ويقوض الثقة في المؤسسات المعنية بتطبيق القانون الدولي.
النفوذ الإسرائيلي يثير مخاوف بشأن حياد المؤسسات الدولية
ورأى البرديسي أن إسرائيل باتت تمارس تأثيرًا واسعًا على عدد من المؤسسات والمنظمات الدولية، وهو ما ينعكس على الملفات المرتبطة بها.
وأكد أن هذا النفوذ يثير مخاوف بشأن قدرة المؤسسات الدولية على أداء دورها باستقلالية وحياد، لا سيما في القضايا المتعلقة بالحرب على قطاع غزة والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين.
وأضاف أن إسرائيل ستكون المستفيد الأول من أي إضعاف لدور المحكمة الجنائية الدولية، معتبرًا أن استمرار الضغوط السياسية عليها قد يقوض منظومة العدالة الدولية ويضعف قواعد النظام الدولي القائم على احترام القانون.
وشدد على أن الحفاظ على استقلال المحكمة يمثل ضرورة لحماية السلم والأمن الدوليين، وضمان عدم إفلات أي طرف من المساءلة القانونية.
تأييد 82 دولة لا يعني وجود إجماع
وفي السياق ذاته، قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، لـ”القصة”، إن حصول قرار إنهاء ولاية كريم خان على تأييد 82 دولة يمثل أغلبية واضحة تجاوزت الحد المطلوب بـ19 صوتًا، إلا أنه لا يعكس إجماعًا دوليًا، في ظل معارضة أو امتناع 43 دولة عن التصويت، وهو ما يكشف عن انقسام داخل المجتمع الدولي بشأن هذه الخطوة.
وأضاف أن توقيت الإقالة يثير علامات استفهام، خاصة أنها جاءت بعد إصدار كريم خان، في نوفمبر 2024، مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، فضلًا عن تعرضه لعقوبات أمريكية شخصية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى تأثير الضغوط السياسية والدبلوماسية في القرار.
التحقيقات مستمرة رغم تغيير المدعي العام
وأوضح مهران أن إنهاء ولاية المدعي العام لا يؤثر قانونيًا في القضايا المنظورة أمام المحكمة، لأن المؤسسة هي التي تدير الملفات، وليس الشخص الذي يشغل المنصب.
وأشار إلى أن نائب المدعي العام يتولى المهام تلقائيًا، فيما تستمر التحقيقات الجارية، بما في ذلك القضايا المتعلقة بقطاع غزة والضفة الغربية، دون انقطاع، استنادًا إلى أحكام المادة (42) من نظام روما الأساسي، التي تكفل استقلال مكتب الادعاء.
مذكرات التوقيف تظل سارية
وأكد مهران أن جميع أوامر القبض الصادرة خلال ولاية كريم خان تظل نافذة وملزمة، لأنها صدرت بقرارات من الدائرة التمهيدية بالمحكمة، وليست قرارات شخصية للمدعي العام.
وأضاف أن مذكرات التوقيف بحق بنيامين نتنياهو وفلاديمير بوتين، إلى جانب مذكرات توقيف بحق عدد من قادة حركة حماس، لا تزال سارية قانونًا، كما تظل الدول الأعضاء في المحكمة ملزمة بتنفيذها وفقًا للمادة (89) من نظام روما الأساسي، رغم احتمال تراجع الزخم السياسي لملاحقة بعض المتهمين مع تولي مدعٍ عام جديد.
اختبار لمصداقية العدالة الدولية
وأشار مهران إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن في مصير القضايا المنظورة، وإنما في التأثير على مصداقية المحكمة الجنائية الدولية.
وحذر من أن إنهاء ولاية مدعٍ عام بعد فترة قصيرة من إصداره مذكرات توقيف بحق مسؤولين في دولة تحظى بدعم إحدى القوى الكبرى، قد يعزز الانطباع لدى كثير من دول الجنوب العالمي بأن العدالة الدولية تخضع للاعتبارات السياسية أكثر من التزامها بالحياد القانوني.
واختتم بالتأكيد على أن التطورات الأخيرة تمثل اختبارًا حقيقيًا لاستقلال المحكمة ومستقبل منظومة العدالة الدولية، مشددًا على أن حماية استقلال المؤسسات القضائية الدولية تمثل شرطًا أساسيًا لترسيخ سيادة القانون، ومنع توظيف العدالة في الصراعات السياسية والدبلوماسية، بما يحافظ على ثقة المجتمع الدولي في دور المحكمة ورسالتها.