أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

وسط البلد.. الإنسان وصناعة المكان

د. وائل زكي

لم تأتِ المدارس المعمارية إلى مصر كمدٍّ ثقافي، وإنما حملها رجال تلقوا تعليمهم في تلك المدارس المختلفة، وجاء كلٌّ منهم يحمل خبرته ورؤيته، لا ليصنعوا مكانًا بالمعنى العمراني الذي نتداوله اليوم. ولم يكن أيٌّ منهم يدرك أنه يشارك في صناعة أحد أكثر المشاهد العمرانية تميزًا في الشرق الأوسط، كما لم يكونوا يعملون وفق مشروع مشترك أو رؤية موحدة لهوية المدينة. ولم تكن هناك لجنة، كلجنة تخطيط حي الإسماعيلية، تخطط لهوية عمرانية متكاملة أو رؤية تستهدف إنتاجًا عبقريًّا للمكان. كما جاء المستثمر يبحث عن النجاح، وجاءت الدولة لتنظم المدينة، وجاء المجتمع ليصوغ احتياجاته الجديدة، وتلاقت الأعمال في ظرف تاريخي واجتماعي واقتصادي استثنائي، هو الذي منح وسط البلد شخصيتها التي نراها اليوم. ومن تضافر تلك العناصر جميعًا نشأت هوية عمرانية لم تكن ثمرة تخطيط مسبق بقدر ما كانت ثمرة تناغم تاريخي نادر.

ولئن ارتبطت عمارة وسط البلد بأسماء معمارية لامعة، لم يكن أولئك المعماريون مجرد مصممين لمبانٍ متفرقة، بل كانوا حملة أفكار ومدارس معمارية؛ حمل كلٌّ منهم خبرةً تشكلت في بيئة مختلفة، ثم أعاد صياغتها في القاهرة بما استجاب لظروفها ومناخها وثقافتها واحتياجات مجتمعها. ولم يكن هؤلاء وحدهم صناع هذا المشهد الحضري، فقد كانت أعمالهم جزءًا من منظومة أوسع شارك فيها المستثمر، والحرفي، والسلطة المنظمة، والمجتمع الذي احتضن تلك العمارة ومنحها حياتها اليومية. غير أن المعماريين كانوا الحلقة التي ترجمت الأفكار إلى صورة مادية باقية، ولذلك تبدأ رحلتنا معهم.

أنطونيو لاشياك أحد أبرز المعماريين الإيطاليين الذين عملوا في مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. كان ينتمي إلى المدرسة الانتقائية ذات الجذور الإيطالية والكلاسيكية، فمارس العمارة بمنهج انتقائي غلبت عليه مفردات الكلاسيكية الجديدة. لم تكن روح المدرسة الانتقائية ترى تعارضًا بين استلهام أكثر من مرجعية معمارية، فاستطاع أن يوظف المفردات الكلاسيكية وعناصر عصر النهضة بما يتلاءم مع البيئة العمرانية الجديدة التي كانت القاهرة تشهدها. لذلك جاءت أعماله تجمع بين التوازن في التكوين، والثراء في التفاصيل، والقدرة على الاندماج داخل النسيج الحضري، حتى غدت بعض مبانيه من أبرز معالم وسط البلد. ولم يكن أثره في جمال الواجهات وحده، بل في ترسيخ فكرة أن العمارة ليست مبنى منفردًا، وإنما جزء من المشهد الحضري الذي تتكامل عناصره معًا.

أخبار ذات صلة

من يحكم غزة؟
8000 شهيد تحت الأنقاض و60% من منظومة الإنقاذ خارج الخدمة.. من ينقذ غزة؟
images (6)
واشنطن تطارد أموال حزب الله.. فهل يدفع لبنان الفاتورة؟
نرمين نبيل
باسم وهبة.. حين يصبح الخلاف مع الشباب بلاغًا: أين دور الراعي؟!

إرنستو فيروتشي كان من المدرسة الكلاسيكية الأكاديمية، وجمع بين الانضباط الأكاديمي واحترام الهوية المحلية، فلم يكن أسيرًا للقواعد الأكاديمية التي تعلمها في إيطاليا، بل بدأ تدريجيًّا يستوعب خصوصية العمارة المصرية والإسلامية. لذلك لم يكتفِ بتطبيق النماذج الأوروبية، بل أظهر اهتمامًا متزايدًا بالبيئة المصرية والعناصر الإسلامية والمحلية، فاتسمت أعماله بقدرتها على الموازنة بين الصرامة الكلاسيكية والخصوصية المحلية، وهو ما جعلها تبدو مألوفة للعين المصرية رغم جذورها الأوروبية. وقد أسهم هذا الاتجاه في إثراء المشهد العمراني، وأثبت أن استلهام الهوية لا يعني القطيعة مع الحداثة، بل يمكن أن يكون أحد أدواتها.

ألكسندر مارسيل جاء من مدرسة الفنون الجميلة الفرنسية (Beaux-Arts)، ومثّل مدرسة البوزار مع نزعة استشراقية أثبتت أن استلهام التراث يمكن أن يكون مدخلًا إلى الحداثة. كان مثالًا للمعماري الذي استخدم أدوات مدرسة البوزار، لكنه وجهها نحو قراءة جديدة للتراث الإسلامي، فلم يكن ينظر إلى الشرق بوصفه موضوعًا للزخرفة، بل مصدرًا للإلهام. وقد ظهر ذلك بوضوح في مشروع مصر الجديدة، حيث أسهم في صياغة رؤية عمرانية استلهمت العمارة الإسلامية والمغاربية دون أن تفقد انتماءها إلى الفكر العمراني الأوروبي. وقد قدم بذلك نموذجًا مبكرًا لما يمكن أن نسميه اليوم بالهوية المركبة؛ هوية لا تقوم على النقل ولا على القطيعة، وإنما على إعادة تفسير التراث في سياق حضري جديد.

ماريو روسي مثّل المدرسة الأكاديمية الإيطالية، مع التخصص في العمارة الإسلامية، وقد تعلّم من العمارة الإسلامية قبل أن يبني بها. فقد تميّز بقدرته على فهم العمارة الإسلامية من الداخل، فلم يتعامل معها باعتبارها مفردات زخرفية، بل بوصفها نظامًا معماريًّا متكاملًا. لذلك جاءت أعماله، ولا سيما المساجد، امتدادًا حيًّا للتراث أكثر منها محاكاة له، وأسهمت في تأكيد أن العمارة الجيدة لا تُقاس بمدى غرابتها، وإنما بقدرتها على الانتماء إلى المكان الذي تقام فيه.

لكن تاريخ وسط البلد لم يصنعه الرواد وحدهم، بل صنعته أيضًا أجيال من المعماريين الذين انتموا إلى تيارات معمارية جديدة. تجاوز تأثير هؤلاء حدود الأسماء الفردية، وأصبح الأهم هو اللغة المعمارية التي انتشرت على أيديهم. ولم تظهر هذه التيارات في خط زمني منفصل عن المدارس الفكرية السابقة، بل تداخلت مع أعمال الرواد، وشاركت في تشكيل المشهد العمراني إلى جوارها. ومع مطلع القرن العشرين، برز تيار الآرت نوفو، فمالت العمارة إلى الخطوط الانسيابية المستوحاة من الطبيعة، والزخارف النباتية، والتفاصيل الحرة التي أضفت على الواجهات حيوية ورشاقة. ثم خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، أخذ الآرت ديكو يفرض حضوره بلغة أكثر هندسية واختزالًا، تعكس روح العصر الصناعي والحداثة.

ولم يعد حضور الآرت نوفو والآرت ديكو مرتبطًا باسم معماري واحد، بل أصبح ثمرة عمل أجيال من المعماريين الذين تبنوا هذين التيارين، حتى أصبح الانتماء إلى اللغة المعمارية أكثر حضورًا من اسم مصمم المبنى نفسه. ومع اتساع الحركة العمرانية، اتسعت أيضًا دائرة المشاركين في صناعة المدينة، فلم يعد المعماري وحده من يصنع العمارة؛ فالمقاول، والبنّاء، والنحات، والحرفي، والحداد، والنجار، والمستثمر، والموظف، وسكان العمارات أنفسهم، كانوا جميعًا جزءًا من القصة. فالمكان تصنعه منظومة من البشر، لكل منهم دور قد يبدو صغيرًا، لكنه يصبح جزءًا من صورة أكبر لا تكتمل إلا باجتماع الجميع.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

images (5)
خط أحمر إسرائيلي جديد.. تل أبيب: لن نقبل بوجود منظومات دفاع جوي في سوريا
الإعلامي شريف عامر
لماذا يسعى شريف عامر لعضوية "الصحفيين" ويتجاهل "الإعلاميين"؟
images (4)
رئيس العراق يدعو الفصائل لتسليم السلاح: "لا مبرر للقصف من أرضنا"
image_c726e34d
قاع الهامور.. كيف تحوّل جروب ساخر إلى تريند يتجاوز المليون عضو؟

أقرأ أيضًا

Oplus_131072
الذهب يفاجئ الأسواق بارتفاع جديد.. قفزة في الأسعار مع بداية تعاملات السبت
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
حالة الطقس
طقس اليوم مستقر..والعظمى بالقاهرة 37
محمد المنشاوي
الرقمنة والوعي والأخلاق