تمثل هضبة “الجولان السوري” المحتل أكثر من مجرد مساحة جغرافية استراتيجية ذات تضاريس حاكمة، فهو عقدة وصل رئيسية في منظومة “الأمن القومي العربي”، وجزء لا يتجزأ من السيادة السورية
والتراب الوطني العربي، إن “الهوية العربية السورية” للجولان ليست مجرد ورقة تفاوض أو ذكرى تاريخية، بل هي حقيقة راسخة في وجدان الأمة وعقيدتها السياسية والقانونية.
على مدار العقود التي تلت حرب يونيو/حزيران 1967، ظلت الجولان تشكل شوكة في حلق المشروع التوسعي الإسرائيلي، ورغم “محاولات الضم” الباطلة التي فرضتها حكومة الاحتلال، بقيت الإرادة الشعبية لأهالي الجولان درعاً حصيناً يرفض التنسيق أو الذوبان في الهوية المفروضة، ومؤكدةً بحقائق “التاريخ والجغرافيا” أن الاحتلال إلى زوال مهما طال الزمن أو تعاظمت إجراءات التتويج الدبلوماسي المشبوه.
يستند الوجود الإسرائيلي في الجولان السوري إلى “قاعدة
استعمارية” قائمة على “القوة الغاشمة”، وهو ما يتعارض جذرياً مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة. وتُعد قرارات مجلس الأمن الدولي وفي مقدمتها القرار رقم 497 لسنة 1981 إقراراً دولياً بأن قرار الاحتلال فرض قوانينه وولايته على الجولان المحتل باطل وليس له أي أثر قانوني
دولي.
الشعوب الحية لا تفرط
إن التاريخ الإنساني والسياسي يثبت أن الكيانات القائمة على الاستيطان والاحتلال مصيرها حتمي نحو الانكفاء والتآكل والسقوط، الجولان أرض عربية محتلة والتاريخ يخبرنا أن الشعوب الحية لا تفرط في حقوقها، وأن الموازين الاستراتيجية الطويلة الأمد لا تخدم المحتل مهما بلغت قوته العسكرية أو دعمه الخارجي.
ترتبط الجولان عميقاً بالعمق السوري ديموغرافياً وثقافياً واقتصادياً، مما يجعل أي محاولة لفصلها عن محيطها الطبيعي “عملية جراحية فاشلة” يرفضها منطق التاريخ والجغرافيا معاً.
في محاولة عبثية لفرض واقع جديد خارج إطار الشرعية الدولية، جاءت الاعترافات الخارجية المتمثلة في القرار الأمريكي بالاعتراف بما يسمى “السيادة الإسرائيلية” على الجولان، تليها خطوات مشابهة من بعض الأطراف مثل كولومبيا في محطات سياسية مختلفة، لتشكل سقطة دبلوماسية كبرى ومخالفة صارخة لمبادئ العدالة الدولية.
إن هذه الاعترافات لا تمنح الاحتلال شرعية حقيقية، بل تكشف “ازدواجية المعايير” لدى القوى الكبرى التي تتاجر بشعارات حقوق الإنسان والشرعية الدولية حين تتعارض مصالحها مع الحقوق العربية، انها عملية سقوط للمعايير الأخلاقية لتلك الدول.
شهادة الزور
الباطل لا يورث، فمن الناحية القانونية والسياسية تعد “شهادة الزور الدولية” أو الاعترافات الأحادية الصادرة عن واشنطن أو
بوغوتا أو غيرهما لا تغير من طبيعة الأرض شيئاً، فالجولان أرض محتلة بنص قرارات الأمم المتحدة، وكل محاولات “تبييض الاحتلال” ستسقط حتماً أمام صلابة الحقائق الميدانية والتاريخية، تماماً كما سقطت مشاريع الاستعمار القديم عبر العصور.
بينما يفترض بالكيانات والسلطات التي تتصدر المشهد المحلي أن ترفع شعار حماية السيادة و”تحرير الأرض” المحتلة، تبرز حالة سلطة أحمد الشرع كنموذج صارخ للعجز والتفريط المستمر، إن التمعن في الأداء السياسي والميداني لهذه السلطة يكشف عن مسار خطير يتسم بالصمت المطبق والتواطؤ الضمني مع التحركات الإسرائيلية المتسارعة في المنطقة.
لم تكتفِ هذه السلطة بالوقوف موقف المتفرج أمام استمرار احتلال الجولان، بل تركت الاحتلال الإسرائيلي يتحرك بأريحية كاملة ويتوغل
إلى أبعد من حدود الجولان المحتل، مستغلاً حالة “الانفلات الأمني” والانشغال بالصراعات البينية.
الجولان حق أبدي
إن غياب أي خطاب وطني مقاوم أو أي تحرك سياسي وعسكري جاد يدافع عن الأرض يعكس طبيعة هذه السلطة التي لا تُقايض الحقوق الاستراتيجية بمكاسب سلطوية ضيقة فحسب، بل جاءت لتنفيذ “عمليات التفريط” من الأساس.
إن التهاون في ملف بهذه الحساسية والخطورة لا يُعد مجرد تقصير إداري، بل هو “تفريط منهجي” بالسيادة الوطنية، ومشاركة غير مباشرة في شرعنة التمدد الإسرائيلي على حساب “الدم والتراب” السوري والعربي.
إن قضية الجولان السوري المحتل تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة وحالة التردي التي تفرضها قيادات مثل سلطة أحمد الشرع؛ فهي قضية “حق أبدي” لا تسقطه تقلبات الأنظمة ولا صفقات الاعتراف الخارجي. إن الاحتلال الإسرائيلي، مهما بدت جبهته متماسكة اليوم بدعم غربي واعترافات مشبوهة، محكوم عليه بالزوال بفعل “حتمية الصراع” وتناقضات مشروعه الاستيطاني مع طبيعة المنطقة وجغرافيتها.
وسيبقى الجولان عربياً سورياً، تنتظر الأرض أبناءها الأحرار الذين يرفضون التفريط، ليعود الحق لأصحابه رغم أنف الاحتلال وكل المتواطئين معه.