30 سبتمبر 2000، اهتز المشهد السياسي الفلسطيني والعربي والعالمي، حين قُتل الطفل “محمد الدُرة”، فصار اسمه رمزًا للنضال والمعاناة، لم يقتصر الأمر على ذلك فقد طرأ التغيير على شخص الوالد المَفجوع، لم يُدرك أن تلك اللحظات المريرة ستصنع منه مناضلا أسطوريا، تتحاكى به الأجيال القادمة لعقود طويلة، وعلى مدار أكثر من عقدين، رفض “جمال الدُرة”، أن تسقط القضيّة من ذاكرة العدالة، فخاض حرباً ضارية من الكفاح والمُعاناة من المطالبة الدولية إلى الصمود الشخصي.
في هذا الحوار، نغوص في تجربة هذا الأب المناضل، نتأمل في الألم، في التحدّي، في الأمل ونستمع إليه مباشرة، كما لم يُسمع من قبل، ونسمع تفاصيل جديدة في طوفان الأقصي وزيادة الإجرام ليس فقط في حق “محمد الدّرة” بل في حق كل أطفال غزة وفلسطين.
ما هي مظاهر الحياة اليومية في غزة بعد حرب الإبادة الجماعية والمجازر التي يرتكبها الاحتلال؟
طبعا بالنسبة لشكل الحياة اليومية التي نعيشها هي حياة قتل وتدمير وتهجير حياة معاناة لم يعانيها أي شعب في العالم، وقد شاهدنا كثيرا من الحروب حول العالم، لكن لم نر ولم نشاهد ما شاهدناه في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، عمليات القتل وعمليات الإبادة يوميا مستمرة دون انقطاع، في حق شعبنا وعمليات تدمير المنازل يوميا وعمليات تدمير البنية التحتية وتدمير المستشفيات وتدمير المخابز وتدمير آبار المياه وتدمير الطرقات وتدمير الجامعات و تدمير المدارس وقتل المدرسين وقتل دكاترة الجامعات وقتل الأطباء في المستشفيات وتدمير الإسعافات وقتل المسعفين.
كل هذا لم نشاهده من قبل هذه جرائم حرب يجب أن يحاكم عليها الاحتلال، عندما يقتل الاحتلال الصحفيين ويتعمد قتلهم هذه جرائم حرب عندما يقصف المستشفيات، عندما يقصف المخابز والناس واقفة طوابير هذه جرائم حرب، عندما يقصف الإسعافات والمسعفين وآبار المياه ويقطع الكهرباء هذه جرائم حرب، هذا الاحتلال مارس كل أنواع الجرائم في حق شعبنا حتى سياسة التجويع هذه جرائم حرب منع الداء والدواء للدخول إلى قطاع غزة، منع الطعام ودخول الطعام إلى القطاع كل هذا وأكثر أظن لم يتحمل أحد كل ما تحملناهُ وهذا يزيدني فخر كوني فلسطينيا وغزاويا.
ماذا عن دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع وهل تحسن الوضع نسبياً بشأن الحصول على الطعام والشراب؟
بالنسبة لقضية الطعام يعاني قطاع غزة من أزمة غذائية حادة نتيجة الحصار، حيث يواجه الناس صعوبة بالغة في شراء الطعام بسبب ندرته ومنع الاحتلال دخول العديد من أنواع الأغذية، أحياناً يلجأ السكان في غزة إلى ما يعرف بـ’التكيات’ حيث يقفون في طوابير طويلة ومُذلة للحصول على كميات قليلة من الطعام، التي غالبًا لا تكفي لسد حاجة فرد واحد فما بالنا بأسرة بأكملها، الحياة أصبحت معاناة كبيرة بسبب نقص الخدمات الأساسية، لا يتوفر غاز أو كهرباء أو إمدادات كافية للجميع، حتى في المستشفيات. كما أن المياه شحيحة جداً، مما يضيف إلى المعاناة الشديدة التي نواجهها.
ماذا عن قضية التهجير؟
أؤكد لك رفض تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه مهما كان الثمن، هذه الأرض حق مشروع لنا ولكل الشعب، هناك ضغط من الاحتلال لتهجير الفلسطينيين عبر مصر، وأشيد بدور مصر القيادي بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في التصدي لهذا المشروع ومنع تهجير أبناء الشعب الفلسطيني، مصر كانت دائماً وأبداً بالمرصاد لمخططات التهجير واحتلال الأرض.
ماذا بعد خطة ترامب لإنهاء الحرب وتبادل الأسرى هل تغير الوضع بالفعل على أرض الواقع؟
الولايات المتحدة سواء في عهد ترامب أو بايدن، هي شريك أساسي للاحتلال، كما أعطى ترامب الضوء الأخضر لتدمير غزة وزود الاحتلال بالأسلحة.
أمريكا شاركت في الحرب بالأسلحة والعتاد، وحتى بجنود على الأرض، وكانت مشاركة في عمليات التجسس والاستخبارات فوق قطاع غزة، إلى جانب بريطانيا وألمانيا وفرنسا وحتى إيطاليا شاركت بطائرات تجسس في سماء غزة، كما أن الأسلحة المستخدمة في القصف هي أمريكية الصُنع، بما في ذلك أسلحة محرمة دوليًا، وتستخدم لقتل الأطفال والنساء والشيوخ وتدمير البُنى التحتية، كالشوارع والأشجار وآبار المياه والمخابز، هذه حرب إبادة بأسلحة وصواريخ لم تكن معروفة من قبل.
كيف ترى الاتفاق الأخير بشأن وقف الحرب؟
على مر العقود اشتهر اليهود بنقضهم للعهود والمواثيق، وهذا أمر طبيعي فقد وصفهم “القراءن الكريم”بنقض العهود.
نخوض في تفاصيل يوم صعب في سبتمبر 2000 ذلك اليوم ما الذي قرّرتما أن تفعلاه وكيف بدأت الأحداث حين وجدتم أنفسكم في مفترق “نيتسريم”؟
في البداية كنا عائدين من سوق السيارات إلى الدار، وتعرضنا لوابل من الرصاص في الطريق.
عندما وصلنا إلى مفترق “نيتسريم”، وجدنا المكان مليئا بالدخان والجنود والرصاص في كل اتجاه.
حاولت أن أجد ملجأً، أي جدار أو زاوية تحمينا، لكن لم يكن هناك شيء سوى الحجارة والإسفلت أمسكت بمحمد وضممته إلى صدري، وقلت له: “لا تخف يا بابا”، ولم أكن أعلم أن تلك ستكون آخر مرة يسمع فيها صوتي.
ماذا حدث بعد أن بدأ إطلاق النار.. هل تذكر اللحظة التي شعرت فيها أن ابنك قد استُهدف أو أن الرصاص لم يكن عشوائيا؟
في البداية ظننت أن الرصاص عشوائيا، كأي اشتباك بين الجنود والشبان، لكن بعد دقائق أدركت أن الرصاص يتجه نحونا مباشرة، وكأننا الهدف الوحيد هناك، كنت ألوح بيدي وأصرخ للجنود أن يتوقفوا، هناك طفل معي، لكن الرصاص لم يتوقف، بل ازداد الأمر سوءاً، رأيت محمد يرتجف بين يدي، ثم سقط رأسه على رجلي اليمنى، صامتا في تلك اللحظة أدركت أن كل شئ قد انتهى.
هل تأذّيت أنت من رصاص ذلك اليوم.. كيف تعاملت مع الجرح الجسدي ومع الصدمة النفسية التي ترافقها؟
نعم، أصبت بعدة عيارات نارية في ساقي ويدي، لكن وجعي الحقيقي لم يكن في الجسد كنت أنزف وأنا أنظر إلى ابني الصغير الذي لم يتحرك الألم النفسي لا يُشفى، حتى لو مرّت عليه السنين.. كل يوم أتذكر تلك الثواني كأنها شريط لا يتوقف لكنني أعيش على الأمل أن محمد لم يمت عبثاً، وأن صورته كانت صرخة للعالم كله، بالتأكيد هو حي يرزق عند ربه.
ماذا فعلت مباشرة بعد استشهاد محمد.. كيف تمّ استلام الجثمان وكيف تعاملتم مع الإعلام والجمهور؟
لم يكن الأمر سهلاً أبدا.. لم أستطع حمله فورًا بسبب إطلاق النار بعد توقف الاشتباكات، جاءت سيارة إسعاف ونقلتنا إلى مستشفى الشفاء.
عندما رأيت محمد مُلقى هناك، لم أصدق أنه رحل، الإعلام كان في كل مكان، وصورته كانت تتنقل من شاشة إلى أخرى، لكن بالنسبة لي لم تكن “صورة”، كانت قطعة من روحي تُعرض أمام الناس حاولت أن أكون صامداً، لأن محمد أصبح رمزاً لكل طفل فلسطيني.
ما أبرز المحطات القانونية التي عشتها.. وأين شعرت أنها الطريق الأمثل لتحقيق العدالة؟
نعم، خضنا معارك طويلة أمام المحاكم، في فرنسا وفي غيرها كنت أؤمن أن العدالة يجب أن تتحقق باسم محمد، حتى لو تأخرت واجهنا إنكارا ومحاولات لتزوير الحقيقة، لكننا لم نتراجع.. في كل جلسة كنت أقول: “لا أطلب الانتقام، أطلب الاعتراف.” لأن الحقيقة وحدها قادرة أن تريح قلب أب فقد ابنه.