كانت رائحة “المنظفات” الممزوجة بعبق البخور والزينة الجديدة هي إشارة البدء الرسمية لرمضان في منزل “ليلى صيام”، لم يكن رمضان مجرد شهر للصيام، بل كان ثورة من التجديد تطال كل زاوية في البيت، بل وتخرج إلى الشوارع التي كان يتسابق الجيران على تنظيفها وتزيينها.
طقوس “الجلاء” والبهجة المفقودة
تسترجع ليلى، إحدى سيدات غزة، تفاصيل تلك الأيام بقلب يعتصره الحنين، قائلة: “قبل الحرب، كان التنظيف طقساً مقدساً. نغسل الفراش، نغير ديكور المنزل، و نجلي أواني المطبخ حتى تلمع كأنها خرجت من المصنع للتو”، وتصف ليلى لـ”القصة” حالة الاستنفار الجميل، شراء أدوات مطبخ جديدة، اقتناء ملابس العيد مبكراً، وتعليق الفوانيس التي كانت تضيء ليالي غزة الدافئة.
وأضافت واصفة ليلة السحور: “كان والدي يخرج في منتصف الليل ليوفر لنا أغراض السحور، كانت المولات تضج بالحياة والزحام الجميل.. كانت أجواء لا تنسى”.
من الفانوس إلى الخيمة.. ذكريات مؤلمة
اليوم، تبدلت الملامح وغابت الفوانيس، رمضان الذي كان يبعث الطمأنينة، أصبح يثير في نفوس الغزيين هواجس الخوف، تقول ليلى بمرارة: “الآن، صرنا نخاف من رمضان، ارتبطت ذكرياتنا الأخيرة فيه بالنزوح، بصوت القصف، وبالفقد، القهر يسكن القلوب، والزينة غابت لأن الأرواح منطفئة”.
مقاومة بالترتيب.. ترتيب “الخيمة” لمواجهة الانكسار
رغم الوجع، تحاول ليلى خلق مساحة من “الحياة” داخل النزوح، هي لا تملك مطبخًا بمواصفات قديمة، لكنها تملك إرادة التنظيم تحاول “ليلى” اليوم ترتيب خيمتها، وضع إضاءة بسيطة فوق “مكان الجلي” البدائي، وتنظيم المواعين القليلة التي نجت من الركام.
وختمت ليلى، حديثها برؤية واقعية مشوبة بالأمل: “نرتب أمورنا في الخيمة لنجعل تحضير الإفطار والسحور أسهل قليلاً، نحاول أن نستعيد ولو جزءاً بسيطاً من كرامة العيش، حتى ونحن في قلب القهر”.
إنها قصة “ليلى” التي تعكس حال آلاف العائلات في غزة، الذين يحاولون ترتيب “فوضى الحرب” بلمسات بسيطة، علها تداوي جراحًا أعمق من أن تمحوها السنون.