لم تعد الهواتف الذكية مجرد أدوات للتواصل اليومي، بل تحولت بفضل ثورة البيانات ومستشعرات الحركة الدقيقة إلى شبكة رصد زلزالي لا مركزية هي الأكبر في تاريخ البشرية.
يعتمد هذا التحول التقني على استغلال مستشعرات التسارع المدمجة داخل ملايين الأجهزة المحمولة لالتقاط الموجات الأولية السريعة وغير المحسوسة للزلازل، ثم معالجتها عبر خوارزميات سحابية ذكية تطلق تحذيرات فورية للمستخدمين قبل وصول الموجات التدميرية والأكثر خطورة.
ويمثل هذا التطور نقلة نوعية في استراتيجيات إدارة الكوارث وحماية الأمن القومي الرقمي. حيث تبدلت وظيفة التكنولوجيا من أداة لتوثيق الأزمات ورصد آثارها بعد وقوعها، إلى خط دفاع استباقي يمنح المجتمعات ثوانٍ معدودة لكنها فارقة؛ كافية لإنقاذ الأرواح، ووقف المنشآت الحيوية، وتقليص الخسائر البشرية والاقتصادية بشكل غير مسبوق.
أنظمة الأندرويد
1. الأنظمة المدمجة في نظام التشغيل
الميزة: تحول الملايين من الهواتف إلى أجهزة رصد عبر مستشعر التسارع الداخلي (Accelerometer).
طريقة العمل: ترصد الهواتف الثابتة الموجات الأولى للزلزال وترسل إشارة سرية للخوادم لتحليلها فوراً وإطلاق صافرات إنذار طارئة قبل وصول الموجات التدميرية (S-waves).
أمثلة: نظام تنبيهات أندرويد الرسمي المدمج في إعدادات الأجهزة.
2. تطبيقات الحوسبة الجماعية والتشاركية
الميزة: تعتمد على تفاعل وشبكة هواتف المستخدمين لإرسال بلاغات آنية.
طريقة العمل: تجمع بيانات اهتزازات أجهزة المستخدمين في نفس النطاق الجغرافي لتأكيد حدوث هزة أرضية وتنبيه من هم على أطراف دائرة الخطر.
أمثلة: تطبيق Earthquake Network وتطبيق MyShake.
3. تطبيقات المتابعة والرصد الإحصائي
الميزة: تعرض الخرائط الحية وقواعد بيانات المراكز الزلزالية العالمية.
طريقة العمل: تتصل بمحطات رصد الزلازل الرسمية، مثل هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) لإرسال إشعارات فورية بقوة وموقع وعمق الهزات بعد تسجيلها.
المستشعر بين الاهتزاز الطبيعي والزلازل
وفى هذا السياق، يوضح هشام الناطور، المتخصص في التحول الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، أن الخوارزميات الذكية (مثل تلك الموجودة في نظام أندرويد وتطبيق MyShake الشهير) تعتمد على معايير فيزيائية، زمنية، ومكانية دقيقة. ويقول: “إذا كان الهاتف على طاولَة وبحالة سكون تام، فلا يبدأ النظام بتحليل إشارات الزلازل إلا إذا كان التلفون بحالة سكون تام وموضوع على طاولة أو يشحن”. ويضيف أن الهاتف يتحقق من الزلازل عبر مستشعرات أخرى كمستشعر القرب والبطارية (التي تستبعد تماماً أي اهتزازات ناتجة عن المشي، الجري، السقوط، الركض، أو الحمل باليد).
خصائص الموجات الزلزالية (P-Waves)
كما يشرح الناطور، فى تصريحات خاصة لـ”القصة”، أن الزلازل تبدأ دائماً بموجات أولية سريعة ولها تردد معين وخاص جداً. وتختلف جذرياً عن الاهتزازات العشوائية الناتجة عن سقوط الهاتف، اهتزاز السيارة، أو استخدام الشخص للهاتف. “وهنا يأتي دور “التحقق الجماعي” (Crowd Sourcing)، فعندما يقع تلفون شخص على الأرض أو يحدث اهتزاز محلي، تتجاهل الخوارزمية هذا الشيء لعدم تطابقه مع تردد الزلزال. بينما الزلزال يؤدي لاكتزاز آلاف الهواتف بنفس المنطقة الجغرافية وبنفس اللحظة وبنمط يشبه الموجة، مما يؤكد الحدث”.
الحد الأدنى للهواتف المطلوبة بالرقعة الجغرافية
ويبين “الناطور” أنه لا يوجد حد أدنى وأقصى صارم، لأن العدد يختلف حسب الكثافة السكانية لكل منطقة. ويوضح أن نظام أندرويد يحتاج لرصد إشارات متزامنة من عشرات إلى مئات الهواتف القريبة بمسافة قريبة (محصورة بكيلومترات مربعة)، لتأكيد الحدث بدقة وبدون وقوع في فخ الإنذارات الكاذبة. ويشير إلى أنه في المدن ذات الكثافة العالية، يزداد هذا الأمر دقة وحساسية بفضل التفاعل الأكبر مع الخوارزميات.
برتوكولاً للعمل دون اتصال بالإنترنت
ويؤكد المتخصص في التحول الرقمي أنه في مرحلة التلقي والإنذار، إذا انقطعت شبكات الإنترنت والاتصالات تماماً وقت أو قبل وصول الهزة المدمرة، فلن تستطيع التطبيقات استقبال أي إشارات تحذيرية جديدة، لأن السيرفرات والسحابة أصبحت عاجزة عن إرسال البيانات للتليفون. ويؤكد أن الاستثناء الوحيد (التحذير المحلي) الذي يظهر في بعض التطبيقات المتقدمة التي تعتمد على معالجة الذكاء الاصطناعي محلياً داخل الهاتف نفسه (On-Site)، والتي تستطيع استشعار الموجات الأولية وإطلاق صافرة إنذار فورية.
الأنظمة المدمجة مقابل التطبيقات المستقلة
ويبين الناطور أن الأنظمة المدمجة (مثل أندرويد) هي الأسرع والأكثر دقة وبلا منازع؛ لأنها تعمل على مستوى نظام التشغيل (Operating System Level) كخدمة أساسية تعمل بخلفية البرامج دون الحاجة لتطبيق خارجي. “أما التطبيقات المستقلة مثل MyShake فتتطلب تنزيلها وتعتمد على عدد أقل من المستخدمين النشطين. وغالباً ما تكون كفاءتها محصورة بمناطق جغرافية ومؤسسات بحثية محددة وتتطلب تحديثات وأذونات مستمرة”، حسب قوله.
هل تشكل المراقبة المستمرة تهديداً لخصوصية البيانات؟
يوضح الناطور أن الإجابة هي “نعم ولا” في آنٍ؛ فمن الناحية التصميمية لا تسجل مستشعرات الحركة محادثات أو صوراً أو بيانات شخصية. بل هي مجرد أرقام رياضية ومعادلات فيزيائية للاهتزاز. والبيانات المرسلة مجهولة المصدر والموقع الجغرافي يكون لمنطقة عامة، لكنه يشير بالمقابل إلى أنه يلاحظ استخدام نمط حركة الهواتف مؤخراً لأغراض تسويقية واستهداف الأشخاص الرياضيين وجمع نمط حياة المستخدمين عبر تتبع حركتهم اليومية.
دمج التطبيقات مستقبلاً مع أنظمة المنازل
ويختتم هشام الناطور القول بإن هذا الدمج سيصبح واقعاً عبر إنترنت الأشياء (IoT) والبروتوكولات المنزلية (مثل Matter، HomeKit، و Google Home). بمجرد تلقي الهاتف الذكي لإنذار الزلزال المبكر الذي يسبق الموجات المدمرة بثوانٍ معدودة، يرسل الهاتف أمر برمجي عبر الواي فاي لأجهزة المنزل الذكي (Zigbee) لتنفيذ إجراءات فورية مثل قطع الغاز، فصل التيار الكهربائي، فتح الأبواب التلقائية، وإنارة أضواء الطوارئ في البيوت الذكية.