حين تتحكم الجماعات في سياسات الأوطان تحولها إلى تكيات لا إلى دول ويصبح السكان مجرد رعايا لا مواطنين، وحين يسود فكر الجماعة تتراجع فكرة الوطن وتتقدم فكرة القبيلة، تختصر الجماعة الوطن في نفسها وتسعى لإطالة مدة سيطرتها وبقائها ولو كان الثمن جثة الوطن ذاته!
لم تكن دعوة الرئيس السوداني المخلوع عمر أحمد البشير عام 2003 لمشاركة الشعب في الدفاع عن إقليم دارفور سوى البداية التي جرى بموجبها انطلاق عصابات الجنجويد لتتصدى للحركات الانفصالية في الإقليم التي قادتها حركتي العدل والمساواة وحركة تحرير السودان.
الجيش السوداني الذي كان يخوض معارك عبثية ضد قوات جنوب السودان قبل الانفصال في حالة إنهاك وضعف عدة وعتاد عمد إليها البشير.
البشير الذي انقلب على حكومة المهدي في العام 1989 مدعومًا من جماعته الإخوان المسلمين أدرك قواعد اللعبة التي أتت به وأتت من قبل بالجنرال إبراهيم عبود في منتصف الستينيات وبجعفر النميري في أواخرها.
لذا لم يعمد البشير إلى إضعاف المؤسسة العسكرية وفقط بل أدخلها في حرب شبه عبثية في جنوب السودان، الجيش الذي عانى الإهمال والتهميش لئلا تتكرر تجربة الانقلاب وجد نفسه محاصرًا بين حرب في الجنوب وجماعات انفصالية مدعومة من الخارج في إقليم دارفور في الغرب وهو ما كان يفوق قدرته على المواجهة.
في تلك الأثناء لم يلجأ البشير إلى دعم الجيش ورفع كفاءته، بل انتهز الفرصة بتفكيره الميليشياوي كابن بار لجماعة لا تعرف من الوطن سوى كرسي الحكم إلى دعم عصابات الجنجويد الذي تشكلوا بالأساس من قبيلة الزريقات في إقليم دارفور، وبرز موسى هلال ناظر عرب الزريقات ومعه تاجر إبل هو محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي، لم تواجه عصابات الجنجويد الحركات الانفصالية في قتال شريف، بل عمدت إلى ارتكاب مجازر بحق السكان المحليين، استمرت المجازر على مدار عامين وهو ما استدعى تدخل الأمم المتحدة وتشكيلها فريق للتحقيق في انتهاكات الجنجويد.
انتهت الحرب في دارفور بعد مجازر دامية في العام 2005، لكن الرئيس الميليشياوي الذي حكم السودان بمنطق الجماعة لا بمنطق الوطن استمر في دعمه لتلك العصابات لتشكل عصا غليظة يستخدمها في مواجهة خصومه السياسيين وكقوة موازية للجيش إذا ما فكر في الإنقلاب عليه.
تمرد حميدتي عام ٢٠٠٨ وبدلاً من مواجهة تمرده جرى منح مزيد من الامتياز له، وحين هب الربيع العربي على الوطن العربي كان حميدتي بقواته جاهزًا لمواجهة أي خروج على النظام.
وكانت مكافأة البشير له عام 2013 بتحويل قواته إلى فرقة عسكرية شبه رسمية لكنها لا تخضع لسيطرة المؤسسة العسكرية ولا لقيادة الجيش السوداني بل لعلاقة مباشرة مع الرئيس وجهاز استخباراته وجرى إطلاق اسم قوات الدعم السريع على العصابات ومنحها مزيد من الامتيازات بالسيطرة التامة على جبل عامر وذهبه بل منح البشير رتبة العميد لمجرم الحرب حميدتي!
صعود نجم حميدتي والخلافات حول غنائم ذهب جبل عامر أثار حفيظة قريبه وحليفه وشريكه في تأسيس الجنجويد موسى هلال الذي تمرد احتجاجًا على حصته من الذهب، وتحول حلفاء الأمس إلى أعداء وهو ما استدعى مواجهات بين الطرفين انتهت بهزيمة موسى هلال واعتقاله عام 2017 وتقديمه للمحاكمة، وتحول تاجر الإبل السابق إلى أمير حرب يحظى بدعم الدولة وحمايتها ويتحكم وحده في دارفور وفي ثرواتها ويوزع بمفرده عوائد الذهب الذي عرف طريقه إلى دولة عربية قدمت دعمها الكامل لحميدتي.
أقام حميدتي علاقات بدول الجوار وبأجهزة استخباراتية عرف طريقه إليها وعرفت هي أيضا الطريق إليه، وبدا يتحرك كقائد دولة لا مجرد أمير حرب.
عوائد الذهب جعلت منه ومن قواته مصدر قوة ونفوذ وهو ما فتح الباب لضم مرتزقة جدد من أفارقة وعرب إلى قواته، والعصابات التي بدأت في حدود ال 5 آلاف انتهت إلى ما يقرب من 40 ألف ويزيد.
حين تحرك الشعب السوداني في عام 2019 رافضًا سياسات الإفقار والتجويع والتهمييش على مدار 30 عاما من حكم البشير وجماعته من الإخوان الذين أطلق عليهم الشعب لقب الكيزان، انتظر البشير الوحش الذي رباه ليطلقه في مواجهة الشعب الثائر، لكن الوحش الذي أدرك قواعد اللعبة وعرف دروب ودهاليز الحكم في مناورة تكتيكية أعلن انحيازه للشعب ومطالبه حتى تهدأ ثورته ويتم الالتفاف حولها وتطويقها وتفريق صفوفها.
شارك أمير الحرب في مجلس الحكم الانتقالي مع قائد الجيش الفريق البرهان، لكن حين حانت ساعة استحقاق الوطن ومطالبة القوات المسلحة السودانية لحميدتي بانخراط قواته في الجيش السوداني تمرد الرجل على الجيش ومطالبه بدعم من الدولة العربية التي ترعاه بالوكالة عن أجهزة استخباراتية، وعرفت شحنات السلاح طريقها إلى إقليم دارفور لرفع جهوزية قوات حميدتي في مواجهة الجيش الذي رفع شعار وحدة السودان في مواجهة تحركات حميدتي للانفصال بإقليم دارفور وموارده وإقامة دولة في غرب السودان يكون هو مؤسسها وقائدها.
وتوالت المواجهات بين الجيش وقوات حميدتي بين كر وفر، لكن المعطيات تغيرت بدعم غير مسبوق وفرته الدولة العربية المارقة، وجرى تحول استراتيجي في مسار العمليات بسيطرة قوات حميدتي على مدينة الفاشر عاصمة إقليم شمال دارفور ولترتكب قواته مجازر دامية بحق السكان المحليين لإثارة الرعب في قلوب سكان المناطق المجاورة.
خطورة الفاشر أنها مركز الربط بين دارفور والخرطوم وجنوب السودان وسيطرة حميدتي عليها يفتح الباب واسعًا أمامه نحو الأبيض وكوستي وهو ما يعني عمليًا انفصال غرب السودان وتقسيم جديد لأرض السودان في إطار خطة تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ.
سقوط الفاشر يضع مساحة ما يقرب من 493 كيلو متر مربع تحت يد قوات حميدتي وهي مساحة كبيرة تبلغ ما يقرب من نصف مساحة مصر ويشكّل تهديدًا جيوسياسيًا للأمن القومي المصري خصوصا مع اتهامات حميدتي لمصر بدعمها المباشر للجيش السوداني ومشاركتها في هجمات جوية على قواته، وإعلان حميدتي المتكرر في خطاباته عن عدائه لمصر.
وفي حين تغض الولايات المتحدة الأميركية -التي سبق أن أعلنت عن فرض عقوبات على حميدتي- الطرف عن جرائم قوات حميدتي وعن الدول التي تزوده بشحنات لا نهائية من السلاح والعتاد العسكري وتكتفي بجولات مكوكية لمبعوث السيد ترامب لا تفضي إلى قرار قدر ما تترك الحبل على غاربه لحميدتي لقضم مزيد من مناطق غرب السودان، تجد مصر نفسها في عين العاصفة على حدودها الممتدة ما يقارب 600 كيلو مع غرب السودان والمناطق التي باتت تحت سيطرة حميدتي وهو ما يعني مزيد من التهديد للأمن القومي المصري.
وإذا ما جرى إعلان انفصال إقليم دارفور فإن أبواب الانفصال ستكون قد فُتحت على مصارعها أمام انفصالات أخرى لأقاليم لا تُخفي رغبتها في الانفصال ولقوى لا تخفى نواياها ومخططاتها نحو مزيد من تقسيم أراض السودان لعدة دويلات متصارعة، ولتجد مصر نفسها وقد صارت وحيدة في مواجهة أثيوبيا ومؤامراتها على شريان حياة المصريين وتصبح عُرضة لمناكفات دويلات متصارعة كانت يومًا جزءًا من أرض السودان الشقيق الذي سعت مصر يومًا لمنحه استقلاله وأعطته حقه في تقرير مصيره وواجهت مؤامرات بريطانيا في منتصف الخمسينيات لإبقائه تحت سيطرتها وسيادتها.