أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

“دي بتتدلع”| من داخل غرف الولادة.. شهادات تكشف الوجه الخفي للعنف التوليدي

 

كتبت: سوزان عبد الغني

 

أخبار ذات صلة

السكة الحديد
السكة الحديد تستهدف إيرادات بـ 13 مليار جنيه.. تفاصيل الزيادات الجديدة في أسعار التذاكر 
نقابة الصحفيين
من "الصحفيين" لـ"المهندسين" و"القضاة".. تيار الاستقلال يواصل انتصاراته
CREATOR: gd-jpeg v1
"دي بتتدلع"| من داخل غرف الولادة.. شهادات تكشف الوجه الخفي للعنف التوليدي

لا يزال الأثر النفسي لتجارب العنف التوليدي، أو حتى الشهادة على وقائعه، يلاحق كثيرًا من النساء والعاملين في القطاع الطبي لسنوات طويلة، في صورة مشاعر من الخوف والصدمة وفقدان الثقة في منظومة الرعاية الصحية.

وفي هذا السياق، أعادت الوقائع المتداولة داخل مستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية، الضوء على تلك الآثار النفسية الممتدة، وهو واقع سبق أن تناوله الكاتب خالد ذهني، الطبيب السابق بالمستشفى، في روايته “سيزيرين” الصادرة عام 2013، والتي سلطت الضوء على أوجه القصور داخل القطاع الطبي، لا سيما المستشفيات الجامعية، كاشفةً جانبًا من واقع العمل بها.

“كأنه إمبارح”

عانت إنجي عباس (اسم مستعار) من صدمة نفسية شديدة بعد تجربة ولادة طبيعية قاسية بمستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية، فقدت على إثرها البصر والنطق لمدة 30 يومًا، وتقول: “من صدمتي بعيالي اللي اتسلمتهم متكفنين”.

مرت ثماني سنوات، لكن الأثر النفسي والذكريات لم يمحهما الزمن. تتذكر إنجي جيدًا ما حدث لها داخل المستشفى، لتبقى الذكرى بكل ما تحمله من ألم حاضرة حتى الآن.

وبصوت يملؤه الأسى، تقول إنجي: “رحت الشاطبي.. وياريتني ما روحتها”، بعدما قصدت المستشفى اعتقادًا منها بتوافر حضانات مجهزة لتوأمها، اللذين استلزمت حالتهما الصحية احتجازهما عقب الولادة المبكرة.

لم تكن معاناة إنجي قد بدأت داخل غرفة الولادة فحسب، بل سبقتها سنوات من الضغط النفسي والتنمر بسبب تأخر الحمل. وتروي ما حدث لها قائلة: “كانوا بيفحصوني بشكل متكرر وبعنف شديد في غرفة الطوارئ، وكل ما أصرخ من الوجع يقولولي: اسكتي.. إنتِ قرفتينا”.

خمس عشرة ساعة قضتها إنجي بين النزيف والآلام الحادة، والكشف النسائي المتكرر، بينما كانت تتشبث بالأمل في نجاة طفليها، وتقول: “تركوني بملابسي غرقانة دم، وتركوا أطفالي التوأم على الترابيزة حتى ماتوا”.

وتوضح إنجي أنها حاولت تجنب هذا المصير، وطلبت الانتقال إلى مستشفى آخر بعدما شعرت بأن حياتها وحياة طفليها في خطر.

“إنتِ بتتدلعي”.. سمعت إنجي تلك العبارة كثيرًا، حين طالبت المحيطين بها بمساندتها لتقديم شكوى، لكنها لم تستطع، وهي في العقد الثاني من عمرها، اتخاذ تلك الخطوة.

وفي دراسة أعدتها الدكتورة فريدة محجوب، استشاري الصحة العامة، عن العنف التوليدي، أظهرت النتائج أن 90% من النساء المشاركات في الدراسة تعرضن لشكل من أشكال العنف التوليدي، فيما عانت 78% منهن من اكتئاب ما بعد الولادة، وشُخِّصت 13% منهن بأعراض ذهانية تستلزم رعاية مؤسسية.

وأشارت محجوب، في تصريحات لـ”القصة”، إلى أن هؤلاء الأمهات سمعن عبارات مثل: “دي بتتدلع.. كل الستات خلفت”، وغيرها من صور العنف اللفظي والمجتمعي الذي يفرض عليهن ضغوطًا نفسية متعددة.

وظهر مصطلح العنف التوليدي رسميًا لأول مرة في فنزويلا عام 2007، لتصبح أول دولة في العالم تسن قانونًا يعاقب طبيًا وجنائيًا على سوء معاملة النساء أثناء الولادة، باعتبارها شكلًا من أشكال العنف المبني على النوع.

ويضم المصطلح 14 ممارسة تُوجَّه إلى السيدات خلال فترتي الحمل والولادة، تشمل العنف اللفظي، والتأنيب، وإساءة معاملة المرأة، أو انتهاك كرامتها أثناء الحمل أو الولادة أو بعدها، والعنف الجسدي، والتدخلات الطبية دون موافقة أو ضرورة، وانتهاك الخصوصية، إلى جانب الإهمال، وتجاهل احتياجات المرأة، واحتجاز المريضة لحين سداد فواتير الخدمة الطبية.

توصيات ورشة الأطباء

وخرجت ورشة “حق المرأة المصرية في ولادة آمنة وكريمة”، التي نظمتها نقابة الأطباء، بعدد من التوصيات والإجراءات الهادفة إلى تعزيز حقوق السيدات، وضمان تقديم رعاية صحية آمنة وكريمة لهن أثناء الحمل والولادة. وشملت التوصيات تشكيل لجنة مشتركة لإعداد التوصيات ومتابعة تنفيذها، ورفعها إلى وزارة الصحة والجامعات وأقسام النساء والتوليد.

كما تضمنت التوصيات تعزيز جودة الرعاية الصحية، واحترام خصوصية المريضات، ومنع أي إساءة أو تمييز، إلى جانب زيادة الطاقة الاستيعابية لأقسام الولادة، وتوفير المستلزمات الطبية والأدوية، وتحسين بيئة عمل الأطقم الطبية، وإجراء استطلاعات دورية لقياس مدى رضا السيدات عن خدمات الولادة والعمل على تطويرها.

ومن جانبه، أكد نقيب الأطباء، الدكتور أسامة عبد الحي، في تصريحات لـ”القصة”، حق المرأة في الحصول على ولادة آمنة وكريمة، مشيرًا إلى أن هذا الملف كان محورًا رئيسيًا للنقاش خلال الورشة، مع التأكيد على متابعة تنفيذ التوصيات بالتنسيق مع وزارة الصحة.

ومن جانبها، أوضحت الدكتورة فريدة محجوب أنه يمكن قياس اكتئاب ما بعد الولادة لدى الأمهات من خلال أداة معتمدة، مشيرة إلى أنها طالبت، منذ عام 2016، بتعميمها من جانب وزارة الصحة داخل مراكز التطعيمات للأمهات اللاتي لديهن أطفال يبلغون شهرين فأكثر، وهي “مقياس إدنبرة لاكتئاب ما بعد الولادة”.

الدراسات وحدها لا تكفي

وكشفت دراسة أعدها مشروع حلول للسياسات البديلة، التابع للجامعة الأمريكية، بعنوان “الانتهاك الطبي المؤسسي: تجربة النساء مع الولادة في مصر”، وأُجريت على نساء بعد الولادة في مدينة بورسعيد عام 2023، أن 85% من المشاركات أفدن بتعرضهن للإساءة و/أو سوء المعاملة أثناء الولادة.

وأظهرت دراسة أُجريت في أحد المستشفيات التعليمية الحضرية أن 100% من المشاركات كن غير راضيات عن حجم مشاركتهن في اتخاذ القرار، و88% شعرن بأن المعلومات والتحديثات المتعلقة بمخاضهن قد حُجبت عنهن، بينما مُنعت 95% من النساء من وجود مرافق معهن أثناء الولادة.

كما تشير دراسة منشورة في المجلة الدولية لأمراض النساء والتوليد إلى أن معدل انتشار العنف التوليدي عالميًا يبلغ نحو 59%، فيما تُعد الرعاية الطبية دون موافقة مستنيرة أكثر أشكال الانتهاكات شيوعًا بنسبة 37%.

من التدريب إلى الصدمة

لم تستمر تجربة أسماء علي (اسم مستعار) داخل قسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي سوى شهرين، لكنها كانت كافية لترك أثر نفسي عميق لا يزال يلازمها حتى اليوم.

وتقول إن المشاهد التي عايشتها خلال تلك الفترة ما زالت تطاردها، مضيفة: “هربت من القسم بعد تدريب شهرين فقط، لم أتحمل ما كنت أراه وأسمعه”.

وبعد التخرج، ابتعدت عن العمل مع حالات الولادة، وتقول: “رفضت العودة للعمل مع أي حالة ولادة، كنت أشعر أنني أعود إلى المشاهد نفسها من جديد”. ولم يكن الأمر قرارًا مهنيًا بقدر ما كان محاولة للنجاة من ذكريات ظلت تطاردها.

وامتد أثر تلك التجارب إلى حياتها الخاصة، فبعد زواجها رفضت الخضوع للولادة الطبيعية، قائلة: “خفت من أن أتذكر كل ما رأيته”. وكأن السنوات لم تمر، فما يُثار اليوم من شهادات وتجارب أعاد الممرضة أسماء فجأة إلى ممرات الشاطبي وغرفه.

وارتفع معدل الولادات القيصرية من 10.3% إلى نحو 70% عام 2021، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات الحالية، ويؤكد أهمية التركيز على جودة الرعاية الصحية وضمان حق كل سيدة في ولادة آمنة وكريمة، بحسب الدكتورة فريدة محجوب، استشاري الصحة العامة.

وفي ممر آخر، داخل مستشفى دار إسماعيل للولادة، أشارت الممرضة جيهان عبد الله (اسم مستعار) إلى ما شهدته داخل غرفة الولادة خلال فترة تدريبها، ووصفت ممارسات اعتبرتها صادمة وغير مبررة طبيًا، قائلة: “اللي رايح واللي جاي بيعمل فحص للست بدخول نصف إيده حرفيًا، والدكتور بيضربها على فخذها”.

وتشير الإحصاءات إلى وجود نحو 6,749 طبيبًا متخصصًا في النساء والتوليد في مصر، من بين أكثر من 120.4 ألف طبيب بشري يمارسون المهنة في مختلف القطاعات، إلى جانب 238.3 ألف ممرض في القطاع الحكومي خلال عام 2024، مقابل 23.5 ألف ممرض في القطاع الخاص، بحسب بيانات الجهاز المركزي للمحاسبات.

فذكِّر إن نفعت الذكرى

وعلى صفحته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كتب الممرض محمد سلامة تدوينة يذكّر فيها زملاءه بما درسوه في معهد التمريض، قائلًا: “يوجد علم كامل يُدعى Psychoneuroimmunology، يثبت أن الحالة النفسية للمريض، مثل الشعور بالخجل أو العجز أو انتهاك الخصوصية، تؤثر مباشرة في سرعة التئام الجروح واستجابة الجسم للعلاج”.

ويضيف: “القاعدة الفقهية والطبية تقول إن الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تُقدَّر بقدرها”، موضحًا أن المريض الذي يشعر بأنه “مكشوف” أو “مُهان الكرامة” يكون في حالة قلق دائم، وهو ما يصعّب مهمة الطاقم الطبي في استقرار علاماته الحيوية.

فوبيا

وبعد مرور 18 عامًا، ما زالت تلك اللحظات تطاردها، تاركة لديها فوبيا من الولادة الطبيعية وندوبًا نفسية لم ينجح الزمن في محوها.

وتقول شيماء عبد الحكيم (اسم مستعار) إن ولادتها الأولى عام 2008، بأحد المستشفيات الحكومية في صعيد مصر، لم تترك جرحًا جسديًا فقط، بل خلفت بداخلها خوفًا عميقًا من الولادة الطبيعية، جعلها تلجأ إلى الولادة القيصرية في جميع ولاداتها التالية.

وخلال ساعات المخاض، شعرت بأنها فقدت إنسانيتها، فالكشف النسائي المتكرر دون استئذان، والتعامل القاسي، والسخرية من ألمها، كلها تركت فيها جروحًا نفسية لا تقل قسوة عن ألم الولادة نفسه، بحسب روايتها، مضيفة: “جاتلي فوبيا”.

وتقول إن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرتها لم يكن الألم الجسدي، بل شعورها بالعجز والإهانة والخوف، وهي ترى من يفترض بهم مساعدتها يتعاملون مع آلامها باستخفاف.

وعن عدم تقدمها بشكوى، تقول شيماء: “لم يكن وقتها فيه ثقافة الشكاوى، وكنت صغيرة، وقالولي إن الولادة الطبيعية هي كده”.

ذات يوم أحمق الخطى

لم تترك الأحداث السابقة أثرها في السيدات فقط، بل كشفت أيضًا ما ظل طي النسيان لدى بعض العاملين والدارسين في المجال الطبي.

ففي عام 2000، “ذات يوم أحمق الخطى، بحسب وصف المهندس تامر عزيز، المتخصص في الهندسة الطبية الحيوية، يتذكر زيارته لأصدقائه بأحد المستشفيات الحكومية العريقة، حيث دخل إلى ما يُعرف بـ”كشك الولادة”، قائلًا: “كانت تجربة مؤلمة، ولا يوجد قلم يمكنه وصفها”.

ويضيف: “على الرغم من أنني لم أكن من طاقم المستشفى، فإنني لم أجد من يسألني عن هويتي أو سبب وجودي، حتى وصلت إلى كشك الولادة”، واصفًا المكان بأنه “غرفة لانتهاك الآدمية”، مضيفًا: “زميلاتنا في هذا المكان اعتزلن الهندسة خوفًا منه”.

ضوابط للأطباء

وعن آلية تقديم الشكاوى ومحاولة إثباتها، يرى الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء، الدكتور خالد أمين، أن آداب المهنة تنظم التعامل مع الشكاوى والتجاوزات، مؤكدًا أن قنوات تقديم الشكاوى الرسمية، مثل نقابة الأطباء والجهات المختصة، مفتوحة أمام الجميع.

وأضاف أن وجود مخالفات داخل أي مؤسسة لا يبرر تشويهها بالكامل، كما أن إثبات التجاوزات ليس من مسؤولية المريض، بل من اختصاص جهات التحقيق، إلا أنه شدد على أهمية تحري المريض والتأكد من أن الطبيب والمستشفى مرخصان.

ومن جانبها، أشارت انتصار السعيد، المحامية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، إلى أن ما يحدث داخل غرف الولادة يعد انعكاسًا لثقافة مجتمعية سائدة، وليس مرتبطًا بمستوى التعليم، مؤكدة ضرورة ضمان حق النساء في رعاية صحية آمنة تقوم على الاحترام، والخصوصية، والموافقة المستنيرة.

وطالبت بتكثيف التوعية، واتخاذ إجراءات حاسمة تجاه المخالفات، ووضع سياسات واضحة داخل المستشفيات، وتوفير خطوط ساخنة وصناديق للشكاوى، إلى جانب إعلان حقوق المريض بدءًا من غرفة الكشف.

وتؤكد الدكتورة فريدة محجوب: “الست من عمر 18 سنة وحتى 70 سنة لا تنسى إطلاقًا ما تعرضت له في الولادة.. تجربة عمرها ما تتنسي”.

الاعتراف الرسمي

وبينما لا يزال هذا النوع من الانتهاكات يفتقر إلى الاعتراف الواضح في مصر، شهدت إسبانيا مسارًا مختلفًا، بعدما اعترفت رسميًا بالعنف التوليدي.

وأصبحت قضية السيدة S.F.M علامة فارقة، بعدما أُجبرت على الخضوع لممارسات طبية قاسية دون موافقتها داخل أحد المستشفيات الحكومية أثناء الولادة، قبل أن تصل قضيتها إلى لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة (سيداو) التابعة للأمم المتحدة عام 2020، لتحصل على حكم تاريخي أدان الدولة الإسبانية، واعتبر ما حدث عنفًا توليديًا ممنهجًا، وألزمها بتعديل بروتوكولات الولادة بما يضمن حماية حقوق النساء وكرامتهن.

 

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

Screenshot_٢٠٢٦-٠٧-٠٤-١٥-٥٠-٤٠-٩١٨_com.android
رسالة رسمية وعاجلة من الرئيس اللبناني لـ ترامب.. ما محتواها؟
عبد الصادق الشوربجي
زيادة 1000 جنيه لأجور العاملين بالصحف القومية اعتبارًا من يوليو 2026
وزير التعليم
أزمة الثانوية العامة تنفجر داخل البرلمان.. والنواب يضعون وزير التعليم في "قفص الاتهام"
وسط البلد
حين يُباع التراث.. ماذا يحدث خلف أبواب مباني وسط البلد التاريخية؟

أقرأ أيضًا

الدكتورة أمنية سويدان - مفجرة أزمة مستشفى الشاطبي
حبس أمنية سويدان 6 شهور وكفالة 20 ألف جنيه
images (6)
معادلة الفائدة الصعبة.. كيف ترسم قرارات "المركزي" ملامح الأسعار ومستقبل النمو؟
الذهب
ارتفاع أسعار الذهب اليوم في مصر.. وعيار 21 مفاجأة
محمد صلاح
محمد صلاح يحصد لقب رجل المباراة بعد فوز مصر على استراليا