رحلت صباح أمس المحامية والنائبة أماني أبو سحلي، عضو مجلس النواب عن محافظة قنا، إثر تعرضها لوعكة صحية، تاركة خلفها سيرة إنسانية ارتبطت بموقف استثنائي حين رفضت الأخذ بثأر نجلها، واختارت العفو بدلًا من الانتقام، لتكرس جانبًا كبيرًا من حياتها لمحاولات إيقاف نزيف الدم بين العائلات في صعيد مصر.
تنتمي النائبة الراحلة إلى عائلة عريقة بمدينة فرشوط، شمال محافظة قنا، وبدأت حياتها العملية بالمحاماة قبل أن تخوض تجربة العمل السياسي والنيابي، ممثلةً عن حزب حماة الوطن ضمن القائمة الوطنية عن قطاع شمال ووسط وجنوب الصعيد. وإلى جانب عملها النيابي، شاركت في أنشطة التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي بمحافظة قنا، وتعاونت مع عدد من المؤسسات الأهلية، وارتبط اسمها بالعمل المجتمعي وجهود المصالحات بين العائلات وإنهاء الخصومات الثأرية.
وكان مقتل نجلها عام 2014 نقطة فارقة في حياتها، إذ حولت ألم الفقد إلى دافع للسعي نحو إنهاء الخصومات الثأرية، بدلًا من الانخراط في دائرة الانتقام التي حصدت أرواح عشرات الشباب.
السلام يولد من رحم الانتقام
في حديث سابق لموقع «القصة»، روت أماني أبو سحلي تفاصيل مقتل نجلها ساهر، الذي كان يبلغ من العمر 16 عامًا، حين كان في طريقه إلى المدرسة الثانوية بمركز فرشوط، فأصيب بطلق ناري من أفراد العائلة الخصم، ليفقد حياته.
وعن القرار الذي اتخذته عقب الواقعة، قالت: «جلست أنا وزوجي وقررنا أن نعفو عن القاتل ولا نرد الدم، وأن ننهي سلسلة الانتقام بين العائلتين ونضع حدًا للصراع الذي راح ضحيته 17 شابًا».
وأضافت أنها وزوجها توجها إلى العمرة، وبعد عودتهما رفضا تدخل العائلة في مسألة الثأر، وتمسكا بقرار العفو، انطلاقًا من قناعتهما بأن الانتقام لن يعيد ابنهما إلى الحياة.
لم يكن قرار العفو نهاية الحكاية، بل بداية لمسار جديد اختارت فيه أبو سحلي أن تنقل تجربتها إلى عائلات أخرى تواجه الفقد نفسه. وأسست لجنة مصالحات نسائية تقوم فكرتها على إقناع السيدات من أصحاب الدم بالعفو والتسامح، إيمانًا منها بأن النساء يمكن أن يكنّ طرفًا مؤثرًا في إشعال نيران الثأر أو إخمادها.
وكانت تبدأ تحركها عند سماعها بوقوع خصومة ثأرية، فتتوجه إلى أسرة القتيل لتقديم واجب العزاء، ثم تروي لهم تجربتها الشخصية، مستندة إلى ما عاشته من ألم، في محاولة لإقناعهم بالتخلي عن الانتقام، ورافعة شعار: «التار مش هيرجع اللي راح».
ولم تكن مهمة الإقناع سهلة؛ إذ أشارت الراحلة إلى أن التنازل عن الثأر يُنظر إليه في بعض البيئات بالصعيد باعتباره مصدرًا للعار والمعايرة، لكن تجربتها الشخصية كانت تمنح حديثها وزنًا خاصًا لدى الأسر التي تستقبلها، إذ رأت فيها أمًّا اختبرت الفقد بنفسها، ثم اختارت ألا تجعل منه سببًا لفقد جديد.
وأسهمت جهودها في إيقاف عدد من الخصومات والعمليات الثأرية، من خلال التواصل مع الرجال والنساء من أصحاب الدم، ومحاولة فتح طريق للمصالحة في مجتمعات اعتادت أن تنتقل فيها الخصومات من جيل إلى آخر.
ترحل أماني ويبقى أثرها
مع إعلان وفاة أماني أبو سحلي، خيم الحزن على مسقط رأسها بمدينة فرشوط، فيما نعَاها مئات الأشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مستعيدين مواقفها الإنسانية وجهودها في احتواء الخلافات العائلية ومد جسور الصلح بين المتخاصمين.
وبين كلمات النعي والدعوات بالرحمة، عادت إلى الواجهة حكاية أم عرفت مرارة فقد ابنها، لكنها لم تسمح للألم بأن يقودها إلى الانتقام، بل جعلت من تجربتها وسيلة لمحاولة تجنيب أمهات أخريات وجعًا يشبه وجعها.