شهر رمضان الكريم له خصوصية كبيرة، وذكريات لا تُمحى من الذاكرة، ونحن أطفال كنا ننتظر شهر رمضان بفارغ الصبر، نترقب أن يُعلن أن غدًا بداية الصيام، فنخرج في جماعات لنطوف القرية ونحمل معنا علبة صفيح نطرق عليها بقوة معلنين أن غدًا رمضان، والبعض ينتظر المسحراتي ليطوف معه في الحارة، وننطلق بسرعة الريح إلى البيت ليتم إيقاظ الأهل لتناول السحور.
لم يكن لدينا كهرباء ولم نرتبط بمشاهدة التلفزيون، إنما اللعب في الحارة هو ما يحدث فقط في رمضان، يسمح لنا بالسهر واللعب وتعليق الزينات أمام البيت، وننتظر في حشد كبير أمام المسجد قبل أذان المغرب، وعندما يهم المؤذن بالصعود إلى سطح المسجد ومع «الله أكبر» ننطلق إلى بيوتنا لنخبرهم أنهم يجب أن يفطروا.
كنا ندرك الأمان والطمأنينة في رمضان، حيث تُسلسل الشياطين، وتُخفف علينا الالتزامات بدعوى أننا صائمون ونحن صغار، برغم أننا كنا كثيري الشغب ليلًا، ونقوم بالهجوم على الحارات المجاورة أثناء لعبهم، أو ندخل في منافسات قوية نابعة من تأثيرات مشاهدة أفلام بروس لي عبر الفيديو، كنا ندفع خمسة قروش للفيلم الواحد، ونخرج لممارسة الكاراتيه بشكل عشوائي، وتنتهي المشاغبات في كثير من الأحيان بالحرمان من اللعب أو الضرب.
كانت القلوب عامرة بالمحبة، والتراحم والتعاطف، وتلك شيم أهل القرية المصرية.
فرغم بساطة الحياة، وقسوة الظروف الإنسانية التي يتعايشها الأهل المحرومون من كافة الخدمات، لكنهم كانوا يعيشون في حالة من الرضا والمحبة والتسامح.
كان الطبق الدوار يدور بين الجيران، والمائدة عامرة، وحالة من السكون يعيشها الجميع فتطغى روحانيات رمضان، وتكثر الأمهات الدعاء لأولادها وأهل بيتها بالصلاح، ويحرص الجميع على الذهاب إلى المسجد لأداء الصلوات الخمس، وحضور درس ما بعد صلاة العصر وقراءة القرآن، ويمتلئ المسجد عن آخره قبل صلاة العشاء، ولا ينفض هذا الجمع إلا بعد صلاة التراويح، وكانت جل أحاديثهم عن الزرع والحصاد والجمعية الزراعية وما يكابدونه من معاناة وقلة الإمكانيات.
كنت أعشق لَمّة العائلة في رمضان، وقدسية الطبلية التي تُدار حولها كافة المناقشات الحياتية للبيت، وعدم خرق قواعد الالتزام بمواعيد تناول الطعام حتى ما بعد رمضان.
محبة رمضان لا تقتصر على المسلمين، بل يعيشها معنا إخواننا من الأقباط بكل محبة وحب وصدق، نتبادل التهاني، وما زلت أتذكر قول البابا تواضروس الثاني عندما قال إن من نعم الله علينا في مصر أن لدينا أربعة أعياد كبرى يحتفل بها المصريون: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الميلاد، وعيد القيامة المجيد.
ويتسابق المصريون، مسلمون ومسيحيون، على تقديم مشاهد رائعة، ويجود كل فرد طبقًا لطاقته من الفضل والإحسان إلى الفقراء والمساكين وعابري السبيل.
قال رسول الله ﷺ: «من أفطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا».
وقال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة».
وكان الرسول ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حتى إن أمين الوحي جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
علينا الاقتداء بسيرة سيدنا رسول الله، وأن نسير على خطاه ونتمسك بكتاب الله وسنة حبيبه محمد ﷺ، وأن نكثر من الصدقات، فهي من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، تدفع البلاء والأمراض، وترفع الشدائد وتفك الكروب.
وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم».
رمضان شهر تُضاعف فيه الحسنات وترتفع فيه الدرجات، ويجب علينا استغلال الشهر الكريم في تقديم أعمال تقربنا إلى الله سبحانه وتعالى، والمداومة على الفضل والبذل في الإنفاق في سبيل الله، وأن تستمر تلك الحالة الروحانية لما بعد رمضان وفي كل وقت.
وكل عام وأنتم بخير، ورمضان كريم على الجميع