في الطابور الممتد أمام مقر حزبي صغير، نجد امرأة تمسك بطرف عباءتها وتخفي وجهها بعيدًا عن الكاميرا، خشية أن يراها الجيران وهي تتسلم كرتونة رمضان، وأن تختزل حاجتها في صورة عابرة على صفحة فيسبوك تحمل شعارًا سياسيًا.
سياسة الإحسان في مصر
على الجانب الآخر، نرى أشخاصًا لديهم استعداد لتحمل الجوع وضيق الحال على أن يذهبوا إلى مقر حزبي للحصول على كرتونة قد لا تكفيهم سوى يومين من الشهر.
في شهر رمضان من كل عام، تتكدس كراتين المواد الغذائية أمام مقرات الأحزاب، والوحدات المحلية، وبعض الجمعيات، مع لافتات كبيرة، شعارات واضحة، وكاميرات جاهزة لالتقاط لحظة “العطاء”.
في المشهد الرسمي، تبدو القصة بسيطة: دعمٌ للفئات الأولى بالرعاية في موسم تتضاعف فيه الأعباء. لكن خلف الصورة، تحول ذلك إلى نوع من “سياسة الإحسان”.
وفي حديثه لـ “القصة”، يؤكد وليد ذو الـ 50 عامًا أن تحويل المساعدات الإنسانية إلى مادة للدعاية السياسية يفرغ العمل الخيري من مضمونه الأخلاقي، مشيرًا إلى أن الهدف من كرتونة رمضان هو ستر البيوت، وليس كشف عورات احتياج الناس أمام الكاميرات.
ويقول وليد: “الجوع وجع في المعدة وممكن يعدي، لكن كسر الكرامة بيفضل ، أنا ممكن أتحمل يومين من غير أكل، لكن متحملش لحظة أقف فيها قدام مقر حزب عشان حد يصورني وأنا بستلم كرتونة”.
وتؤكد أم أحمد ربة منزل في حديثها لـ “القصة”، أنها ليست على استعداد أن تذهب إلى مقر حزبي أو إلى وحدة محلية حتى تحصل على كرتونة ويراها أهل القرية فتعير بذلك، قائلة: “الكرتونة مش هتغنيني العمر كله ومش هستفاد منها حاجة غير كسر العين”.
وتقول زينب، إحدى المستفيدات من معاش “تكافل وكرامة”: “فوجئت بالوحدة المحلية في القرية تتواصل معي وتطلب حضوري على وجه السرعة، ذهبت لأعرف السبب فوجدتهم يعطونني كيسًا بداخله كيلو لحم، فشعرت بحرج شديد أن أمسكه بيدي وأسير به في شوارع القرية أمام الناس، فتركته وانصرفت، من أراد أن يساعد الناس، فليساعدهم بطريقة تحفظ لهم كرامتهم، وليس بهذا الأسلوب”.
يوضح كتاب “الوسطاء والناخبون والمحسوبية” أن الأحزاب غالبًا ما تستخدم أساليب التوزيع المادي لكسب دعم طويل الأمد، مع التمييز بين الوعد بتحسين ظروف الفئات المحتاجة، وهو مقبول سياسياً، والدفع المباشر مقابل الأصوات، وهو غير قانوني وغير مقبول.
كراتين الأحزاب في رمضان
خلال شهر رمضان، يواصل عدد من الأحزاب السياسية في مصر ممارسة ما يعرف بـ “سياسة الإحسان” عبر توزيع كراتين المواد الغذائية على الأسر الأولى بالرعاية.
على سبيل المثال، أطلق حزب الجبهة الوطنية مبادرة “بداية جديدة” لتوزيع كراتين في محافظات مثل الجيزة، الإسكندرية، دمياط وسوهاج، ضمن جهود لتخفيف الأعباء المعيشية عن الأسر الأكثر احتياجًا.
وفي محافظة مطروح، نظمت أمانة حزب مستقبل وطن توزيع كراتين رمضان ضمن “مبادرة الخير”، وشملت العمليات مراكز المحافظة المختلفة، لتصل إلى الأسر المحتاجة بشكل مباشر.. وغير ذلك من المبادرات التي يطلقها الأحزاب.