وقعت يدي بالصدفة على أرشيفي الصحفي وسط زحام مكتبتي.
أوراق غير لونها الزمن لكنه لم يطفيء وهجها!
ملفات وقصاصات نجت من النسيان.
عناوين ساخنة كانت يومًا تتصدر المشهد العام.
رحت أتأمل ما كتبت عبر سنوات طويلة.
حاصرتني ذكريات قديمة حضرت دفعة واحدة.
تحقيقات طويلة، وتقارير من قلب الأحداث.
حوارات مع وجوه صنعت ضجيجًا.
تلك الأخبار التي كنا نظن أنها ستبقى للأبد، فإذا بها عابرة كأنها لم تكن أصلًا!
يومها تنبّهت إلى شيء مهم.
لم يكن ما كتبته مجرد نصوص صحفية.
بل حكايات كاملة وراء كل عنوان.
لم يكن سطورًا فقط.
كان وراء كل مادة حكاية، ووراء كل فكرة موقف.
وبين السطور رحلة تستحق أن تُروى.
هذه السلسة من المقالات التي أبدأها اليوم وأطل عليكم من خلالها أسبوعيًا هي رحلة جيل بدأ درب الصحافة بحلم عظيم.
وصل بالحلم إلى ما فوق السحاب.
ثم رآه وهو يخبو ويتوارى.
اصطدم كثيرًا.
وتعلّم بالطريقة الصعبة.
بعد أكثر من عشرين عامًا لم أعد ذلك الشاب الذي دخل إلى المهنة وهو يؤمن أن الصحافة يمكنها أن تغير العالم.
تعلمت كثيرُا.
وفي الطريق خبرات تراكمت، ومواقف كتبت هذا الشخص الجديد الذي يروي شهادته.

بعد سنوات بين الورق والشاشات، قررت أن أكتب حكايات كنت بطلها حينًا، وشاهدًا عليها أحيانًا.
رحلة مزدحمة بالوجوه.
بشر لمعوا ثم انطفأوا.
أناس ازدحمت الدنيا بهم، ثم غابوا بلا رجعة.
مسؤولون تعاملت معهم، وآخرون اصطدمت بهم.
أحلام كبرت، وأخرى انكسرت في الطريق.
سنوات مرّت سريعًا، كأنها خبر عاجل
لكن بقيت منها الحكايات.

والدروس التي تعلمناها.
سأحكي عن المهنة التي أحببتها، رغم أنها لم تكن دائمًا لطيفة مع عاشقيها.
وعن الناس الذين مرّوا في العمر، وتركوا أثرًا لا ينتهي.
أكتب الآن لأن الوقت صار مناسبًا.
ولأن أشياء كثيرة لا تُفهم وهي ساخنة.
مثلنا تمامًا، لا نتعلم شيئًا قبل التجربة.
أعدكم ألا أقدّم نفسي بطلًا في رواية مملة.
لكن سأحكي كما عشت.
بالنجاحات الكبيرة، والأخطاء الأكبر.
بالأبواب التي فُتحت، وتلك التي أُغلقت.

هذه الكتابة ليست مجرد حنين لزمن مضى.
ولا هي بالتأكيد محاولة لتصفية حسابات.
لكنها شهادة شخصية على زمن كامل.
زمن تغيّرت فيه الصحافة، وتغيّرنا معها.
وربما يجد فيها جيل جديد بعض ما يفيده، أو ما يجنبه أخطاءنا القديمة.
قد تتحول هذه الحلقات قريبًا إلى مادة مصورة.
وقد تصبح كتابًا كاملًا ذات يوم.
لكن الأهم الآن أن تُقال.
فالتجارب إذا لم تُكتب.. ضاعت.
وبعض الحكايات إذا تأخرت.. يمكن أن تموت.