في ظل مشهد إقليمي مضطرب وتغيرات متسارعة في موازين الاهتمام الدولي، تتراجع القضية الفلسطينية إلى الخلفية، بينما تتفاقم الأوضاع في قطاع غزة سياسيًا وإنسانيًا بشكل غير مسبوق.
وبين تعثر المسارات التفاوضية واستمرار الضغوط لنزع السلاح، يعيش سكان القطاع واقعًا قاسيًا تحت وطأة القصف ونقص الإمكانيات، في ظل هدنة هشة لا تعكس حقيقة ما يجري على الأرض.
نقدم في هذا التقرير قراءة شاملة لمجمل الأوضاع في قطاع غزة، في ظل تصاعد الجدل حول مستقبل سلاح المقاومة وتعثر المسارات السياسية، بالتوازي مع تفاقم الكارثة الإنسانية واستمرار العمليات العسكرية رغم الحديث عن التهدئة، إلى جانب استعراض مواقف الأطراف المختلفة وشهادات من داخل القطاع تعكس حجم المعاناة اليومية
أزمة سلاح غزة وتعقيدات المرحلة الانتقالية
في هذا السياق قال الدكتور أيمن الرقب أستاذ العلوم السياسية في جامعة فلسطين،لـ “القصة” إن قضية سلاح غزة عادت إلى الواجهة خلال الأيام الماضية، وسط ضغوط متزايدة للحديث عن نزعه كشرط أساسي للانتقال إلى أي مرحلة سياسية جديدة، إلا أن الإشكالية الأبرز تكمن في غياب رؤية واضحة حول الجهة التي سيتسلم إليها هذا السلاح، في ظل عدم تشكيل قوة شرطية أو نشر قوات استقرار دولية حتى الآن.
وأوضح أن هذا الغموض يضع عراقيل كبيرة أمام استكمال المسار السياسي، خاصة مع وجود أطراف لا ترغب فعليًا في الانتقال إلى المرحلة الثانية، وتسعى إلى فرض واقع جديد عبر طرح خرائط ومخططات على الأرض، بينما يرى البعض الآخر أن هذه اللحظة قد تمثل فرصة لإنهاء الحرب.
تحركات الوساطة ودور مصر في إنهاء الأزمة
أشار الرقب إلى أن القضية الفلسطينية لا تزال حاضرة رغم انشغال العالم بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث تواصل مصر دورها المحوري في الوساطة، من خلال استضافة وفود من حركة حماس ولجنة إدارة غزة، إلى جانب استمرار المفاوضات مع الأطراف الدولية.
وأكد أن الرؤية المصرية تربط أي تقدم سياسي بعدة ملفات متزامنة، أبرزها نشر قوات استقرار دولية وتشكيل جهاز شرطي قادر على إدارة المرحلة المقبلة، مع التأكيد على ضرورة وضوح آلية تسليم السلاح، وهو السؤال الذي لا يزال دون إجابة حاسمة حتى الآن.
كما أضاف أن هناك تباينًا بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي، حيث تصر إسرائيل على نزع السلاح قبل أي خطوة أخرى، في حين تسعى أطراف أخرى إلى مقاربة أكثر شمولًا تربط بين الأمن والاستقرار السياسي.
تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة
أكد الدكتور أيمن الرقيب أن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تشهد تدهورًا خطيرًا، في ظل استمرار العمليات العسكرية والقيود المفروضة على دخول المساعدات.
وأوضح أن نسبة المساعدات الغذائية التي دخلت القطاع لا تتجاوز 20% من الاحتياجات الفعلية، ما أدى إلى نقص حاد وارتفاع جنوني في الأسعار.
وأضاف أن القطاع يعاني كذلك من نقص شديد في الإمدادات الطبية، مع قيود صارمة على خروج المرضى لتلقي العلاج، حيث لم يُسمح إلا لأعداد محدودة جدًا بالمغادرة، في وقت تشير فيه تقارير دولية إلى أن أكثر من 20 ألف فلسطيني بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع.
وأشار إلى أن استمرار إغلاق المعابر، خاصة معبر رفح والمعابر التجارية، يفاقم الأزمة الإنسانية، بينما تتمسك مصر بموقفها الرافض لأي محاولات لتفريغ القطاع من سكانه، عبر التأكيد على ضرورة التوازن بين أعداد المغادرين والعائدين للحفاظ على التركيبة السكانية.
وفي ختام حديثه، شدد الدكتور الرقب على أن العالم، رغم انشغاله بصراعات الطاقة والحروب الإقليمية، لا يجب أن يغفل ما يحدث في غزة، خاصة أن العمليات العسكرية لم تتوقف فعليًا، بل تراجعت حدتها فقط، مع استمرار سقوط الضحايا بشكل يومي.
هدنة شكلية وقصف مستمر على المدنيين
وأكد أحد المدنيين لـ “القصة” في قطاع غزة أن الحرب لم تتوقف فعليًا، مشيرًا إلى أن القصف لا يزال مستمرًا ويستهدف مناطق مكتظة بالسكان والنازحين، بما في ذلك الخيام.
وأوضح أن مناطق مثل السوارحة شهدت سقوط شهداء خلال الأيام الماضية، ما يعكس استمرار العمليات العسكرية رغم الإعلان عن التهدئة.
وأضاف أن الحديث عن فتح المعابر لا يعكس الواقع، حيث إن خروج عدد محدود من المرضى، لا يتجاوز بضعة أفراد يوميًا، لا يوازي حجم الكارثة الصحية داخل القطاع، في ظل وجود مئات الحالات الحرجة التي تحتاج إلى السفر يوميًا لتلقي العلاج.
كارثة إنسانية وفقدان الأمل في الحلول السياسية
أشار إلى أن الأوضاع المعيشية وصلت إلى مستويات مأساوية، مع استمرار نقص الإمدادات الغذائية والطبية، وعيش آلاف الأسر في خيام متهالكة منذ سنوات، لم تعد قادرة على تحمل الظروف المناخية القاسية.
وأوضح أنه رغم الوعود المتكررة بإدخال كرفانات ومساعدات كافية، إلا أن شيئًا من ذلك لم يتحقق، وأن ما يدخل من مساعدات لا يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.
كما عبّر عن حالة إحباط شديدة تجاه الأطراف السياسية، مؤكدًا أن سنوات من الوعود لم تُترجم إلى واقع ملموس، في وقت تحظى فيه أزمات أخرى باهتمام دولي واسع، بينما تستمر معاناة غزة بعيدًا عن الاهتمام الكافي.
وفي ظل استمرار القصف، وإغلاق المعابر، والتضييق على السكان، شدد على أن القطاع يقف اليوم على حافة الانفجار، مع تصاعد الغضب الشعبي وتفاقم الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق.