تمثل كوريا الشمالية واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في النظام الدولي المعاصر، إذ لم تعد مجرد دولة تمتلك سلاحاً نووياً، بل تحولت إلى نموذج يطرح تساؤلات عميقة حول فعالية منظومة منع الانتشار النووي وقدرة المجتمع الدولي على إجبار الدول على التخلي عن ترساناتها النووية بعد امتلاكها.
وفي هذا السياق، قال الدكتور طارق البرديسي استاذ العلوم السياسيه ل”لقصه” إن التجربة الكورية الشمالية بعثت برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن الوصول إلى السلاح النووي يغير قواعد اللعبة ويجعل التراجع عنه أمراً بالغ الصعوبة.
ضربة قوية لمنظومة منع الانتشار النووي
قال الدكتور طارق البرديسي إن كوريا الشمالية وجهت ضربة معنوية وسياسية لنظام عدم انتشار الأسلحة النووية، بعدما انسحبت من معاهدة عدم الانتشار وطورت برنامجها النووي رغم العقوبات والضغوط الدولية المتواصلة.
وأضاف أن الرسالة التي استخلصتها العديد من الدول تتمثل في أن المجتمع الدولي قد ينجح في منع بعض الدول من الوصول إلى السلاح النووي، لكنه يواجه صعوبة أكبر بكثير في انتزاعه بعد امتلاكه.
العقوبات لم تحقق الهدف السياسي
وأوضح البرديسي أن العقوبات الدولية المفروضة على بيونغ يانغ نجحت في إبطاء وتيرة التطوير النووي ورفعت الكلفة الاقتصادية على الدولة، لكنها لم تحقق هدفها السياسي الرئيسي المتمثل في نزع السلاح النووي.
وأشار إلى أن القيادة الكورية الشمالية تنظر إلى الترسانة النووية باعتبارها ضمانة لبقاء النظام وحمايته، وليس مجرد مشروع عسكري يمكن التخلي عنه مقابل حوافز اقتصادية أو مساعدات دولية.
النموذج الكوري ومخاطر سباق التسلح
وأكد البرديسي أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تقليد التجربة الكورية الشمالية بصورة حرفية، وإنما في الدرس الذي تقدمه هذه التجربة للدول الأخرى، فبعض الدول قد ترى أن امتلاك قدرة ردع استراتيجية يمثل الضمانة النهائية لأمنها القومي، وهو ما قد يضعف الثقة في الضمانات الأمنية الدولية ويشجع على سباقات تسلح جديدة في مناطق مختلفة من العالم.
وأضاف أن المجتمع الدولي يمتلك أدوات ضغط اقتصادية ودبلوماسية وحتى عسكرية، لكنه لا يملك حتى الآن آلية واقعية تضمن نزع السلاح النووي الكوري الشمالي بشكل كامل، ما يجعل سياسات الاحتواء والردع والحد من التوسع في البرنامج النووي الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية
بين الاعتراف القانوني والواقع السياسي
وأشار البرديسي إلى أن المجتمع الدولي لا يزال يرفض رسمياً الاعتراف بكوريا الشمالية كقوة نووية شرعية، إلا أن الواقع السياسي والاستراتيجي يعكس نوعاً من الاعتراف الضمني بامتلاكها للسلاح النووي والتعامل معها على هذا الأساس.
ولفت إلى أن الفارق هنا يكمن بين الاعتراف القانوني الذي ترفضه المؤسسات الدولية، والاعتراف الواقعي الذي تفرضه الحقائق على الأرض.
واختتم البرديسي بالقول إن تجربة كوريا الشمالية أثبتت أن السلاح النووي يوفر قدراً كبيراً من الحصانة السياسية والأمنية، إذ يرفع تكلفة استهداف الدولة عسكرياً إلى مستويات هائلة، لكنه لا يضمن لها بالضرورة القوة الاقتصادية أو الازدهار السياسي.
وأضاف أن كوريا الشمالية لم تحقق انتصاراً اقتصادياً أو دبلوماسياً، لكنها نجحت في ترسيخ واحدة من أخطر المعادلات في السياسة الدولية الحديثة، وهي أن منع الدول من امتلاك القنبلة النووية أسهل بكثير من انتزاعها بعد أن تصبح واقعاً قائماً.