دخلت مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تجاوزت الملفات الإنسانية والإغاثية لتنتقل إلى قضايا ترتبط بمستقبل القطاع وترتيباته الأمنية والسياسية، وفي مقدمتها الربط بين الانسحاب الإسرائيلي الكامل ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية.
ويثير هذا التحول تساؤلات حول مدى إمكانية استمرار المسار التفاوضي في ظل تصاعد الشروط المتبادلة، وما إذا كانت المفاوضات قد اقتربت من مرحلة قد تعيق التوصل إلى اتفاق شامل.تحول في مسار المفاوضات وشروط جديدة
وفي هذا الإطار قال السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق لـ”القصة”، إن جولات التفاوض السابقة التي رعتها مصر وقطر بدعم من الولايات المتحدة استندت إلى مبدأ التنفيذ المرحلي، الذي يبدأ بوقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية، وإنجاز عمليات تبادل الأسرى والرهائن، ثم الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية، بالتزامن مع إطلاق ترتيبات إدارة قطاع غزة وإعادة الإعمار.
وأوضح أن القضايا الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها ملف نزع السلاح، لم تكن مطروحة كشرط مسبق، بل كان من المقرر بحثها في مراحل لاحقة ضمن تسوية سياسية أشمل.
الربط بين الانسحاب ونزع السلاح يعقد المشهد
وأشار السفير محمد حجازي إلى أن إصرار إسرائيل على نزع السلاح قبل استكمال الانسحاب يمثل تحولًا جوهريًا في طبيعة المفاوضات، لأنه ينقلها من البحث عن آليات لوقف الحرب إلى محاولة حسم الملفات النهائية قبل تثبيت الهدنة.
وأضاف أن هذا الطرح يرفضه الجانب الفلسطيني، الذي يعتبر أن قضايا الأمن والترتيبات النهائية يجب أن تكون جزءًا من تسوية سياسية متكاملة تضمن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، مؤكدًا أن التجارب الدولية أثبتت أن إجراءات بناء الثقة تسبق عادة معالجة القضايا النهائية، وليس العكس.
دور الوسطاء وخيارات تجاوز الأزمة
وأكد مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الوسطاء لا يزالون يمتلكون فرصًا لتقريب وجهات النظر، وفي مقدمتها العودة إلى الصيغة الأصلية القائمة على التنفيذ المرحلي، إلى جانب توفير ضمانات أمنية دولية تواكب الانسحاب التدريجي، والاتفاق على إدارة أمنية انتقالية يقودها الفلسطينيون بدعم عربي ودولي.
وأوضح أن هذه الخيارات يمكن أن تحقق التوازن بين المتطلبات الأمنية وضرورة الحفاظ على فرص التوصل إلى اتفاق، دون فرض شروط يصعب تنفيذها في المرحلة الحالية.
مصر ركيزة أساسية لتحقيق الاتفاق
وشدد حجازي على أن مصر تواصل أداء دور محوري في جهود الوساطة، انطلاقًا من رؤية متكاملة تقوم على وقف الحرب، ورفض تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ودعم التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وصولًا إلى تمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها داخل قطاع غزة.
وأضاف أن التنسيق المستمر بين القاهرة والدوحة وواشنطن يمثل الركيزة الأساسية لأي تقدم في المفاوضات، في ظل قدرة الولايات المتحدة على التأثير في الموقف الإسرائيلي، والدور القطري في التواصل مع حركة حماس.
واختتم السفير محمد حجازي بالتأكيد على أن تحقيق السلام المستدام لن يكون عبر فرض شروط يصعب تنفيذها، وإنما من خلال الالتزام بالتنفيذ المرحلي للاتفاق، وتوفير الضمانات الدولية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتمكين المؤسسات الفلسطينية، تمهيدًا للدخول في مفاوضات سياسية شاملة تعالج القضايا النهائية، بما يحقق الأمن والاستقرار ويمنح شعوب المنطقة فرصة حقيقية لإنهاء الصراع.
الانسحاب ونزع السلاح.. خلاف حول ترتيب التنفيذ
يري الدكتور أيمن الرقيب أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة فلسطين لـ”القصة”، إن المفاوضات لم تصل إلى مرحلة “الشروط المستحيلة”، موضحًا أن التفاهمات الأولية قامت على تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح بصورة متزامنة، إلا أن الاحتلال يحاول تغيير هذه الآلية من خلال الإصرار على تسليم السلاح بشكل كامل قبل بدء الانسحاب.
وأوضح أن هذا الطرح لا يتوافق مع خريطة الطريق التي قدمها الوسطاء، والتي تنص على تنفيذ الإجراءات بشكل متوازٍ وتحت إشراف دولي، معتبرًا أن الجانب الإسرائيلي هو من يعطل مسار المفاوضات عبر إضافة شروط جديدة.
الحسابات الانتخابية الإسرائيلية تؤجل الحسم
وأشار الدكتور أيمن الرقيب إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تبدو مستعدة لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن الانسحاب الكامل من قطاع غزة، مرجعًا ذلك إلى اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل.
وأضاف أن القيادة الإسرائيلية قد تستمر في سياسة المماطلة حتى انتهاء الاستحقاق الانتخابي، وربما يمتد التأخير إلى ما بعد تشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما ينعكس سلبًا على فرص التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب ويضع إطارًا واضحًا للمرحلة المقبلة.
توافق فلسطيني ودعم دولي لخريطة الطريق
وأكد الرقيب أن الفصائل الفلسطينية أبدت توافقًا على رؤية موحدة بشأن ترتيبات المرحلة المقبلة، وهي الرؤية التي حظيت بترحيب دولي، كما لاقت دعمًا من الإدارة الأمريكية.
وأضاف أن المقترح يربط عملية تسليم السلاح بجهة فلسطينية رسمية تعمل تحت إشراف دولي، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار وعدم خلق فراغ أمني داخل القطاع، مشيرًا إلى أن هذا الطرح يحظى بقبول فلسطيني واسع طالما بقي في إطار المؤسسات الوطنية الفلسطينية.
آلية تدريجية لتسليم السلاح ومستقبل المفاوضات
وأوضح الرقيب أن الصيغة المطروحة تتضمن تسليم السلاح بصورة تدريجية، تبدأ بالأسلحة الحكومية، ثم تنتقل لاحقًا إلى أسلحة المجموعات المسلحة، وذلك تحت إشراف لجنة وطنية لإدارة قطاع غزة وبمساندة قوات دولية للاستقرار، إلى جانب تسليم خرائط الأنفاق والورش العسكرية وفق جدول زمني متفق عليه.
ولفت إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يرفض حتى الآن تنفيذ هذه الصيغة، رغم أنها تمثل حلاً وسطًا يحظى بقبول الأطراف المعنية.
واختتم الدكتور أيمن الرقيب تصريحاته بالتأكيد على أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار حالة الجمود السياسي حتى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، مشددًا على أن أي تقدم حقيقي في ملف وقف إطلاق النار والانسحاب من قطاع غزة سيظل مرهونًا بتغير الموقف الإسرائيلي واستعداده للالتزام بالتفاهمات التي جرى الاتفاق عليها.