أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

محمد المنشاوي يكتب:

لا تجني من الشوك العنب

محمد المنشاوي

رأيت فيما يرى النائم مجتمعًا عجيبًا، يتحرك فيه أولياء أمور بوجوه شائهة وأذرع طويلة تحمل سيوفًا وحرابًا وعصيًا وسلاسل من حديد، وعيونهم معصوبة، ولهم حناجر غليظة، يسوقون وهم في حالة تقع بين السُّكر والغضب أبناءهم الصغار، ويدفعون بهم نحو شواطئ ممتدة لمستنقع تفوح منه روائح كريهة تزكم الأنوف، وتلفظ من أعماقه ديدانًا لها أسنان وأنياب وضروس، وتعلو هذه الشواطئ القبيحة أرقام لجان امتحانية، والأبناء الصغار يغوصون في هذه المستنقعات في بلاهة ودهشة ونشوة.

وبعد قليل خرج هؤلاء الصغار في صورة كائنات خرافية لها أنياب مدببة طويلة وأظافر شديدة الصلابة وأفواه ملوثة بالدماء، وفي اللحظة التي استدار فيها أولياء الأمور نحو منازلهم عائدين مطمئنين لينعموا بالراحة في بيوتهم، فإذا بصغارهم ينقضون عليهم من كل صوب وحدب، ينشبون أظافرهم في أجسادهم ويلغون بأنيابهم وأفواههم في دمائهم، ولم ينجُ منهم أحد.

إن المجتمع الذي يصر ويعاند بجهالة أن يربي أبناءه على خلق الغش القبيح، عليه ألا ينتظر غدًا إلا أبناءً عاقين يمدون أيديهم أول ما يمدون على وجوه أهليهم بالصفع واللطم، وإن هؤلاء الأهلين أول من ستركلهم أقدام أبنائهم في قسوة بالغة وبقلوب جامدة وأعصاب باردة وألسنة ساخرة، فقد قالت العرب قديمًا في أمثالها الرائعة: «إنك لا تجني من الشوك العنب».

أخبار ذات صلة

محمد المنشاوي
لا تجني من الشوك العنب
كأس العالم على مر العصور
من 1930 لليوم.. نرصد لكم أبرز مواقف وطرائف 23 مونديال
بطاقة التموين
تعرف على حالات وقف أو إلغاء بطاقات التموين

إن كثيرين من أولياء أمور تلاميذنا الصغار هم أول من تشير إليهم أصابع الاتهام والإدانة في استفحال وتضخم وذيوع ظاهرة الغش الجماعي في مدارسنا، فهم الذين يشحذون السكاكين في أيدي أبنائهم ويحدون لهم أنصال السيوف ويدببون لهم سنان الرماح والسهام، وهم الذين يشجعون أبناءهم على الغش بالسطو على حقوق غيرهم من الطلاب النابهين المجتهدين تحت تهديدهم بالتنمر والتحرش والاستقواء بأولياء أمورهم خارج أسوار اللجان الامتحانية، بينما يقف ملاحظو اللجان مرتجفي القلوب ومضطربي النفوس ومرتعشي الأيدي وعاجزي الألسنة من جراء ما وقع على أسماعهم من تهديدات هؤلاء الآباء والأمهات في الخارج، وما رأوه في أيديهم من أدوات الفتك والتشويه.

علاوة على ذلك، فإن الفشل الذريع للقائمين على إدارة سياسات التعليم المصري في إيجاد حلول ناجزة وصارمة تتحقق على أرض الواقع، قد فاقم من الأزمة؛ فقد اكتفى أولئك المسؤولون بإصدار تصريحات وردية عن دقة النظام وتأمين اللجان وإحاطة الملاحظين والمراقبين بكل ألوان الرعاية والأمن والطمأنينة، بينما الواقع يفضح كل أقوالهم وتصريحاتهم الوردية.

والأمثلة على تدني هذه السياسات التعليمية كثيرة نكاد لا نحصيها عددًا؛ فهؤلاء طلاب يتحرشون بطالب من ذوي الاحتياجات الخاصة ويوسعونه ضربًا هو ومن وقف مدافعًا عنه، وهذا طالب غرس قلمه في طحال زميله، وهؤلاء المعلمات الأسوانيات اللاتي انتدبن من أسوان، حيث أقصى أقاليم مصر، إلى إقليم البحيرة في أقصى شمال مصر. وما ذكرته آنفًا مجرد أمثلة محدودة للغاية.

أما ما بات واقعًا مفروضًا في امتحاناتنا من غش جماعي فلم يعد خافيًا على أحد في المجتمع المصري كله، سواء أكان عاقلًا أم مجنونًا، إنما فقط هم القائمون على تعليمنا المصري الذين يعيشون في غيبوبة طال أمدها، وأخشى أن تبقى الحال على ما هي عليه أزمنة أُخر.

إن قضية الغش أمر مزعج يقلق ضمير كل مصري غيور على سمعة وطنه ومستقبله؛ ففي الوقت الذي تضع فيه شعوب العالم كل طاقاتها من أجل دعم تعليمها بوصفه المستقبل الحقيقي والوحيد لتقدم أي أمة، نجد في المقابل هذا السقوط التعليمي في بلادنا، ونظن بعد ذلك وقد استبد بنا الوهم أننا سوف نلحق بالمستقبل محملين بالعلم العميق والتربية العظيمة، ولكن كيف يتحقق لنا هذا؟ هل استمرأنا الكذب والتدليس على أنفسنا؟

فليست القوانين المسنونة فقط هي التي يمكن بها القضاء على هذه الظاهرة الخبيثة التي تمقتها كل الأديان على السواء؛ فهي أساس كل المصائب ومعول الهدم الأكبر لحاضر ومستقبل أي أمة تقف موقف المتفرج إزاءها دون أن يتحرك لها ساكن، وكأن الأمر لا يعنيها.

 

فالقوانين تظل فاقدة للمعنى والقيمة ما لم يتم تفعيلها بلا هوادة، فما أكثر القوانين الصادرة في هذا الشأن، ولكنها تقريبًا لا تتحقق، وكأنها حكمت على نفسها بالموت وعدم النفاذ منذ أن سنها المشرعون، وإنما يسودون بها البيانات والتعليمات التي تتزين بها أرقام جلوس الطلاب الذين يستهينون بها استهانة مزرية؛ إذ يعلمون أنها مجرد تعليمات معدومة النفاذ وهم أمام واقع امتحاني يصدق ظنونهم.

 

إن تلك الظاهرة التي اجتاحت تعليمنا المصري عواقبها وخيمة؛ إذ من نتائجها الأكيدة تخريج دارسين فاقدين للعلم والخبرة والكفاءة، ويؤمنون بأن الغش هو طريق النجاة والرقي، فيمتد أثر ذلك على معظم العاملين في مؤسسات الدولة من معلمين وأطباء ومهندسين ورجال قانون وغير ذلك، حتى يصل بنا الأمر إلى بتر ثقة المجتمع بمؤسساته المختلفة، وتدني سمعة التعليم المصري في العالم العربي الذي كان ولا يزال ينظر إلى التعليم المصري والمتخرجين فيه نظرة تقدير واحترام.

 

علاوة على ذلك، يبرز الخوف من هيمنة البلطجة والعنف والجريمة في المجتمع، ومن المخاطر القادمة جراء الغش أن المتخرجين الغشاشين سوف يواجهون سوق العمل الذي يبحث عن الكفاءات النوعية، فإذا بهم يفيقون على حقيقة شديدة المرارة، وهي أنهم لا يملكون من المؤهلات العلمية سوى شهادة زائفة لا تعبر بحق عن حقيقة كفاءتهم المتدنية أو المعدومة.

كما أنه ليس في مقدرة أحد الغشاشين الذي اعتاد النجاح السهل والتفوق الزائف دون عناء أن تكون لديه القدرة على ممارسة عمله الشاق المكلف به، فيقع في هوة الفبركة والغش والإهمال. وإن بين هؤلاء الغشاشين طلابًا جادين مجتهدين عازمين على المضي قدمًا نحو أهدافهم الجليلة، لكنهم مع مضي الوقت قد يتساقط منهم الكثيرون في منتصف الطريق بعد أن طحنهم اليأس وقتلهم الإحباط، إثر مقارنتهم أنفسهم بأقرانهم الغشاشين الذين تفوقوا عليهم تفوقًا كاذبًا.

ثم تأتي الكارثة الكبرى المتوقعة، وهي أن أولياء أمور الخريجين الغشاشين هم أول من سيصطلي بنار أبنائهم، وسوف يلقون منهم كل صنوف الجحود والنكران والاعتداء اللفظي والبدني وفقدان الاحترام، فإن تدليل أولياء الأمور لأبنائهم وبناتهم سوف ينقلب عليهم بثمار بطعم الحنظل؛ فهم الذين زرعوا الشوك وتوهموا أنهم سيجنون منه العنب، فهيهات هيهات لهم هذا المنال.

وإن كل مسؤول بيده إيقاظ ضميره لينـهض بإصلاح هذا الاعوجاج لكنه لم يفعل، وآثر الصمت والتجمد ومضى في أكاذيبه وتدليسه، فهو مجرم عاتٍ يرتكب أشنع جريمة في حق مصر.

لعلنا نقف بقوة تجاه هذا التردي التعليمي، ونقضي على مواسم الغش، ونبدأ دورة جديدة من الإصلاح الحقيقي لتعليمنا المغبون.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

الكاتب سعد القرش
نقاد ومبدعون يحاورون مشروع سعد القرش
المنتخب الإيراني
"فيفا" ترفض طلب المنتخب الإيراني بالانتقال مبكرا للوس أنجلوس
images (5)
لماذا استثنت إسرائيل جنوب لبنان من صفقة واشنطن وطهران وقصفت 80 هدفاً اليوم؟
خريطة
مع استمرار الخلافات بين دول الحوض.. هل تحول النيل إلى ساحة تنافس جيوسياسي؟

أقرأ أيضًا

يحي قلاش
نقيب الصحفيين الأسبق يحيي قلاش يكتب: توكل على الله وخذ بنظرية عبداللاه!
نقابة الصحفيين
"حريات الصحفيين" تدين ما تعرضت له هايدي الدسوقي خلال تغطية فعالية بالسفارة الأمريكية
حسين عبد الرحمن حماد
استراتيجية التجهيل القسري وملاحم الصمود المعرفي في غزة
الدكتورة أمنية سويدان - مفجرة أزمة مستشفى الشاطبي
ماهينور المصري: القبض على أمنية سويدان بعد شهادتها بشأن مستشفى الشاطبي