تعد لجان الحريات منذ تأسيس النقابات المهنية في مصر، ضميرا داخليا يعبر عن القضايا العامة ويدافع عن أعضائها في وجه التضييق أو الانتهاكات، لكن هذا الدور، الذي ازدهر في فترات سابقة داخل نقابتي الصحفيين والمحامين، بات اليوم محل جدل بين من يرى أنه تراجع بفعل الظروف السياسية، ومن يؤكد أنه ما زال قائما لكن بأدوات مختلفة تتناسب مع الواقع الجديد.
وفي نقابة الصحفيين، أعادت الانتخابات الأخيرة تشكيل لجنة الحريات برئاسة الصحفية إيمان عوف، في محاولة لاستكمال حضورها ودورها التاريخي في الدفاع عن حرية الصحافة وحقوق الصحفيين.
أما في نقابة المحامين، فتتباين الرؤى حول مدى فاعلية اللجنة ودورها في دعم قضايا الحريات العامة والمهنية للمحامين خاصة بعد الغياب الملحوظ الذي شهدته خلال السنوات الخمس الأخيرة.
بين إرث تاريخي يطالب بالاستمرار، وواقع مهني يتطلب التوازن بين الدفاع عن الحقوق والالتزام بالقانون، نطرح حوارا مع عدد من الشخصيات التي عايشت تجربة لجان الحريات عن قرب بين محامين وصحفيين لاستكشاف أسباب التراجع، وحدود الدور، وفرص الإحياء.
عمرو بدر: لجنة الحريات بالصحفيين كانت أكثر نشاطا قبل 2014
وفي هذا أكد عمرو بدر، رئيس لجنة الحريات الأسبق بنقابة الصحفيين 2019–2021، أن لجنة الحريات كانت دائما واحدة من أهم لجان النقابة لتماسها المباشر مع قضايا الحريات العامة وحرية الصحافة والإعلام
وأشار إلى أن أداء اللجنة في الماضي كان أكثر نشاطا بسبب اتساع هامش الحريات قبل عام 2014، بينما تأثر دورها لاحقا بتراجع المناخ العام للحريات في المجتمع.
وأوضح بدر، أن اللجنة لا يمكن فصلها عن البيئة السياسية المحيطة، حيث من الطبيعي أن تتأثر بالمناخ العام، فإذا كانت الحريات مقيدة في المجتمع ينعكس ذلك مباشرة على أدائها.
وأضاف أن اللجنة، رغم ذلك، ما زالت تحاول الحفاظ على دورها من خلال الجهود التي بذلت في عهد الزميل محمود كامل، ومحاولات رئيسة اللجنة الحالية إيمان عوف لتقديم نموذج جديد في ظل ظروف صعبة.
ويرى أن تراجع دور اللجنة لا يعود إلى أسباب داخلية، وإنما يرتبط بالوضع العام للحريات في مصر، موضحا أن اللجنة تمتلك تراثا نقابيا نضاليا متوارثا، وكل من يتولاها يبني على ما سبقه، لذلك تظل مسؤوليتها قائمة في فتح مساحات جديدة وإصدار مواقف واضحة دفاعا عن حرية الصحافة والرأي.
كما يشير بدر إلى وجود فرصة حقيقية لاستعادة الثقة بين اللجنة والصحفيين الشباب، خاصة بعد أن أدركت الأجيال الجديدة أن أزمة الصحافة في مصر هي في جوهرها أزمة حريات، ما يتيح للجنة مساحة أكبر للتواصل معهم والعمل المشترك.
وفي ختام حديثه، يوجه بدر رسالة إلى رئيسة اللجنة الحالية، مؤكدا تقديره لجهودها في ظل المناخ العام الصعب، وداعيا إلى استمرار اللجنة في أداء دورها النضالي دفاعا عن الزملاء المحبوسين وحرية الصحافة والحريات العامة، باعتبار ذلك امتدادا لدورها التاريخي في النقابة.
إيمان عوف: نعمل على حل الأزمات التي تواجه المهنة
كما تؤكد الصحفية إيمان عوف، رئيسة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، أن اللجنة وضعت مجموعة من الأولويات في دورتها الحالية، يأتي في مقدمتها تطوير الوحدة القانونية بالنقابة وزيادة عدد المحامين المتعاونين معها، إلى جانب تدريبهم بشكل مكثف على القوانين والتشريعات وآليات التعامل مع النيابات في القضايا التي تخص الصحفيين.
وتوضح أن اللجنة تعمل أيضا على مواجهة الأزمات المرتبطة مباشرة بالمهنة، مثل المنع من التغطية الصحفية، خاصة في المحافظات، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الصحفيين خارج القاهرة. كما تضع اللجنة ضمن أولوياتها العمل على تعديل بعض المواد القانونية المقيدة للعمل الصحفي، مثل المادة (12) من قانون رقم 180 لسنة 2018، ومواد أخرى في قانون العقوبات، إلى جانب الرصد المستمر للانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون، سواء كانت حالات منع أو تضييق أو استدعاءات للتحقيق.
وفيما يتعلق بكيفية التعامل مع البلاغات والشكاوى الخاصة بانتهاكات حرية الصحافة، تشير عوف إلى أن اللجنة تتولى حضور التحقيقات ومتابعة القضايا، موضحة أن اللجنة تابعت نحو 12 حالة خلال الأشهر الستة الماضية، وأصدرت أكثر من 10 بيانات لتوضيح الموقف القانوني والانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون. كما تعتمد اللجنة على آليات تفاوض وضغط نقابية لحماية حقوق الصحفيين.
وترى عوف أن اللجنة استطاعت خلال الفترة الأخيرة استعادة جزء كبير من ثقة الصحفيين الشباب، بفضل التحرك السريع والتواصل الدائم معهم، مؤكدة أن تطوير الوحدة القانونية وزيادة نشاط اللجنة أسهما في تعزيز هذا التواصل، وإعادة الإحساس بوجود لجنة حريات فاعلة وقريبة من الزملاء، خاصة من هم أكثر عرضة للانتهاكات.
منتصر الزيات: نتمنى أن تكون الدعوة للجنة الحريات جادة، وأن تمارس مهاما حقيقية
ومن داخل نقابة المحامين أوضح منتصر الزيات، المحامي والحقوقي وعضو لجنة الحريات السابق بنقابة المحامين، إن خطوة لجنة الحريات الأخيرة في دعوة أعضاء النقابة للانضمام والمشاركة في أعمالها جاءت “متأخرة كثيرا”، مشيرا إلى أن القرار صدر “في ظروف ملتبسة، وسط حالة من الانكسارات التي تمر بها النقابة على مستويات مهنية واقتصادية”، خاصة في ظل ما وصفه بـ”الأعباء المتزايدة على المحامين من ضرائب ورسوم”، إلى جانب الجدل المثار حول “إصدار بطاقات عضوية لما يعرف بلجنة الدفاع عن المحامين”، التي ترتبط بأداء إقليمي في نقابة الجيزة.
وأضاف الزيات: “نتمنى أن تكون الدعوة للجنة الحريات جادة، وأن تمارس مهاما حقيقية، لكن حتى الآن لا يوجد ما يدعو للتفاؤل قبل أن نرى أثرا ملموسا على الأرض، من خلال إسناد المهام لزملاء يمارسون العمل الحقوقي بحيدة وجدية.”
وأشار إلى أن لجنة الحريات كانت دائما “القاطرة التي تقود نقابة المحامين”، معتبرا أن قوتها “تعكس حيوية النقابة نفسها”. وأكد أن اللجنة ليست كيانا منفصلا داخل النقابة أو “دولة داخل الدولة”، بل تؤدي دورها باستقلال ومسؤولية وطنية، قائلا: “دورها لا يقتصر على الدفاع عن المحامي فحسب، بل يمتد إلى المواطن الذي يتعرض لظلم أو اضطهاد، فهي تنتصر لقضايا الوطن والأمة بعيدا عن الانتماء لأي حزب أو سلطة، وكلما تحقق استقلالها، زاد تأثيرها وتلاحمها مع هموم الوطن والمواطن.”