داخل شقة بسيطة بمنطقة كرموز بالإسكندرية، وقعت الحادثة التى هزت الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة، ليس فقط لأنها جريمة بل مأساة إنسانية كاملة، بطلتها أم وأطفالها الخمسة، فكانت نهايتهم صادمة ومؤلمة مما جعل الناس في صدمة يتساءلون: كيف تصل أسرة كاملة لهذه اللحظة؟
مأساة كرموز.. حين تتحول الضغوط إلى كارثة أسرية
أثارت الواقعة ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعددت الروايات والتفاصيل التى تظهر بمرور الوقت، وأسئلة كثيرة دون إجابات واضحة، ماذا حدث تماما؟ متى بدأت القصة؟ هل ما وصلوا له كان لحظة ضعف ؟ أم نتيجة ضغط طويل لم يراه أو يشعر به أحد؟
وفقا للرواية المعلنة حتى الآن، فإن الأزمة بدأت حينما أرسل الأب أنه تزوج من أخرى في إحدى الدول خارج مصر وطلق الأم وترك الأبناء، وكانت الأم تعيش ظروفا صعبة بالفعل بين ضغطا نفسي ومسؤولية الأبناء إضافة إلى أنها مصابة بالسرطان، ما جعل الضغوط تتزايد عليها حتى باتت أكبر من قدرتها على التحمل، وهنا ربما تحول إحساسها بالعجز لفكرة أخطر وهي أن “الموت” قد يكون مخرجا لها ولأطفالها.
وأوضح دكتور جمال فرويز أستاذ الطب النفسي لـ “القصة” أن ما هذه الواقعة ليست مجرد واقعة عنف عادية، بل هي نتيجة ضغط نفسي شديد وصل لمرحلة شديدة الخطورة، وذكر أن الأطفال في مثل هذه الحالات يكونون تحت حالة رعب وضغط كبير مما يجعلهم ينفذون أي أوامر تطلب منهم دون تفكير كجزء من “قطيع” له قائد، وهنا كان القائد الأم.
و أضاف فرويز موضحا تلك الفكرة والمعروف في علم النفس باسم “سلوك القطيع”، إذ يكون هناك شخص واحد يسيطر فكريا على مجموعة ويقنعهم بالحل الذي يراه صحيحا حتى وإن كان الموت، وهذا ما حدث مع الأم التي سلمت أن الموت هو المخرج من الأزمة التى تعيشها ونقلت الإحساس ذاته لأبنائها، حتى رأوا في تلك النهاية شكلا من الراحة أو الهروب.
وأكمل أن مريض السرطان يكون أكثر عرضة للاكتئاب، مما يجعله يرى العالم بشكل سوداوي، وكأنه داخل “بلا أوت” نفسي، لا يستطيع رؤية أي حل آخر، وهنا تتحول فكرة الموت من خوف إلى حل.
وعن العلامات التى قد تظهر على الأشخاص اللذين يفكرون في الانتحار كحل، أوضح فرويز أنها غالبا ما تكون علامات غير مباشرة مثل: قلة الكلام، العزلة التامة، تلميحات حول أن الدنيا لم تعد تستحق، أو عن الراحة عند ربنا، دون أي تصريحات واضحة.
وأكد دكتور جمال فرويد، أن أخطر نقطة هنا هي غياب الدعم، فوجود شخص قريب يمكنه أن يسمع ويحتوي، قد يساعد على تغيير مسار القصة بأكملها، لكن في هذه الحالة من الواضح أن الأم كانت معزولة نفسيا ولم تلجأ لأحد.
وأكد دكتور جمال فرويز أن ما حدث مع الأبناء لم يكن مجرد طاعة للأم، بل كان نتيجة سيطرة فكرية تامة لأنهم يعيشون الأزمة ذاتها، ورأوا أنه ليس هناك حل آخر.
وتداولت بعض المصادر فيما يتعلق بحادثة كرموز أن الزوج لم يكن مصريا بل مواطنا لإحدى الدول العربية الأخرى، مما يفتح زاوية جديدة لفهم التعقيدات في هذه الحالة. والقانون المصري أوضح نظريا: أن الأب ملزم بالنفقة على أبنائه أيًا كانت جنسيته، ويشمل ذلك كل احتياجاتهم الأساسية من أكل وعلاج وتعليم، وإذا امتنع عن ذلك يتعرض لعقوبات قد تصل للحبس.
لكن تكمن الأزمة أن الزوج كان خارج مصر، مما يصعب تنفيذ مثل هذه الأحكام ،فتجد الأم نفسها وحيدة تتحمل المسؤولية كاملة دون أي دعما فعلي.
ولا يعد ذلك السيناريو نادرا بل هو جزء صغير من واقع أوسع. فحسب بيانات الجهاز المركز للتعبئة العامة والإحصاء، أن نسبة الأسر التى تعولها نساء في مصر في تزايد مستمر، سواء كان ذلك بسبب الانفصال أو غياب الأب. كما أن البطالة بين النساء أعلى من الرجال ،مما يجعل الضغط مضاعفة على أي أم تتحمل مسؤولية بيت كامل وحيدة. وعلى مستوى العنف ،ووفقا للجهاز المركز للتعبئة العامة والإحصاء 2021-2022 ان 31% من النساء يتعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي أو النفسي من الزوج.
وفي هذه الحالة، وإن كان القانون يقف في صف المرأة يظل الواقع أقسى بكثير: مسؤولية كاملة، موارد محدودة ودخل ليس موجودا في النسبة الأكبر، وضغط نفسي مستمر، مما يساعدنا تفسير وليس تبرير كيف قد تصل بعض الحالات لمرحلة الانهيار الكامل مثلما حدث في كرموز.
لم تكن حادثة كرموز هي الأولى وربما ليست الأخيرة خلال الشهور الماضية ظهرت وقائع اخرى صادمة: أب في قنا متهم بقتل ابنته بعد تعرضها للإهمال الشديد ،فتاة في الشرقية تعرضت للعنف من أهلها بسبب الإرث ،والكثير من الحوادث التى تتعدد أسابها ولكن تشترك جميعها في شيئا واحد وهو : الضغط والعنف تجاه النساء.
ورأى دكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي أن ما حدث في واقعة كرموز لم يكن مفاجئا أو غريبا على المجتمع بل هو نتيجة تراكمات امتدت لسنوات طويلة ،لكن الفرق أن الوقائع أصبحت أعنف وأوضح ،وتأخذ صدى أكبر من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح الدكتور صادق أن هناك عوامل كثيرة تجتمع مع بعضها: فقر شديد، بطالة، وضغط اقتصادي كبير على الأسر ،خاصة حينما تكون الأم تتحمل المسؤولية وحيدة مع غياب الأب أو حتى وجوده. مما يجعل الأسر في ضغط مستمر قد يصل إلى الانفجار.
وأكد دكتور صادق أن جزء من الأزمة يرتبط بقرارت غير محسوبة منذ البداية مثل، الزواج دون استقرار مادي، أو الإنجاب دون القدرة على تحمل المسؤولية، كل هذا يخلق دوامة من الضغط تزداد بمرور الوقت، خاصة حينما يغيب دعم الأسرة أو المجتمع.
وأضاف أن العنف ليس جديدا على المجتمع بل كان “مستخبي”، وأصبح اليوم ظاهرا أكثر لأن الناس بدأت تفضل الكلام على الصمت خاصة مع انتشار السوشيال ميديا. مما جعل الكثير من الوقائع تظهر للعلن بعد ما كانت تحدث في صمت.
وأشار دكتور صادق لوقائع أخرى حدثت في الفترة الأخيرة توضح حجم الأزمة، و تؤكد جميعها على أن المشكلة ليست حالة فردية، لكنها نمط مكرر من العنف الأسري والانهيار الاجتماعي.
وأضاف أن هناك مشكله أكبر وهي “لوم الضحية”، خاصة في قضايا النساء ،مما يجعل الكثير من الحالات تفضل الصمت وعدم طلب المساعدة، مما يوصل الأزمة لمراحل أخطر.
وربط دكتور سعيد صادق، كل ذلك بغياب الأمان المجتمعي والدعم الحقيقي سواء كان من المحيط القريب أو المؤسسات ،ويرى أن ذلك يساهم في تفاقم الأزمات وليس منعها.
ويظل السؤال الحقيقي ليس “من المسؤول؟” لكن “كيف وصلنا إلى ذلك؟”
كيف لأسرة كاملة أن تنهار بذلك الشكل دون أن يشعر بها أي احد؟
وكيف أصبح العنف بمختلف أشكاله جزء من واقع متكرر كل يوم حتى تحول لكارثة؟
وتضاف مأساة كرموز إلى سلسلة من المأسي التي يعيشها المجتمع المصري لعلها تكون إندارا لما يعيشه الأفراد وليس مجرد تريند.