في تحول جيوسياسي بارز يعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية، تتوجه أنظار المتابعين للسياسات الإقليمية والعالمية نحو «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي تجمع بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان. هذا التكتل يربط بشكل مباشر بين القوة المالية والعمق الاستراتيجي للخليج، والتفوق العسكري والتكنولوجي لثاني أكبر جيش في حلف الناتو (تركيا)، والقدرات التقليدية والنووية لباكستان، بصفتها القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.
علينا أن نقرأ أهداف الحلف، سواء الإيجابية أو السلبية، وطبيعة استهدافه للقوى الإقليمية، والأسباب الجوهرية وراء غياب مصر عن هذا التوقيع، رغم امتلاكها أحد أقوى جيوش المنطقة.
الأهداف الاستراتيجية: لماذا وُقِّعت اتفاقية مكة؟
جاء إعلان الاتفاقية ليؤسس مظلة أمنية ودفاعية جماعية، ينص بندها الأساسي على أن «أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا».
تنويع الشراكات الأمنية: تسعى الأطراف، وتحديدًا الرياض، إلى تقليص الاعتماد المطلق على المظلات الأمنية الخارجية التقليدية، خاصة الولايات المتحدة، التي اتسمت مواقفها مؤخرًا بالتقلب في مواجهة أزمات الإقليم.
التكامل العسكري والصناعي: يدمج الحلف الإمكانات المالية السعودية مع القدرات التصنيعية التركية المتطورة، لا سيما في مجال الطائرات المُسيَّرة والصناعات الجوية، والعمق البشري والردعي الباكستاني، لخلق منظومة دفاعية أكثر استقلالية.
هل الحلف موجَّه ضد أطراف بعينها؟
رغم التأكيد الرسمي في بيانات الدول الثلاث أن الاتفاق دفاعي بحت، وغير موجَّه ضد أي طرف ثالث، ومفتوح لانضمام دول إقليمية أخرى، فإن القراءة التحليلية تشير إلى بُعدين استراتيجيين غير معلنين:
1. ردع التهديدات الإقليمية: يأتي الاتفاق في سياق تصاعد التحديات الأمنية المستمرة في المنطقة وتهديدات الملاحة، ليشكل قوة ردع كبرى في مواجهة أي اختراقات أمنية إقليمية.
2. التعامل مع التوترات المتصاعدة: بالنسبة إلى تركيا، يشكل الحلف غطاءً استراتيجيًا مهمًا في ظل التوتر المستمر مع إسرائيل، وتنامي التقاطعات الإقليمية الخطرة المتعلقة بالقضية الفلسطينية وملفات شرق المتوسط.
المكتسبات والمحاذير: ميزان الربح والخسارة
الإيجابيات والمكاسب الاستراتيجية:
رفع كلفة الاعتداء: وجود التزام تعاقدي بالدفاع المشترك يغير حسابات الردع لدى أي قوة تسعى إلى زعزعة استقرار أضلاع المثلث الثلاثة.
توطين الصناعات الدفاعية: يفتح الحلف بابًا واسعًا أمام تقليل التبعية لأسواق السلاح الغربية، من خلال تبادل الخبرات والتصنيع المشترك.
السلبيات والمخاطر الكامنة:
غياب المؤسسية التشغيلية: يفتقر الحلف حتى الآن إلى قيادة عسكرية مركزية وهياكل تشغيلية وعملياتية منضبطة، على غرار حلف الناتو، مما يجعل كفاءته العملياتية الفورية موضع اختبار.
مخاطر التورط المتبادل: يخشى محللون من أن يجر هذا الالتزام عواصم الحلف إلى أزمات وجبهات ساخنة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مما يعرض استقرارهم الداخلي لضغوط غير مبررة.
لماذا نأت مصر بنفسها؟ دبلوماسية السيادة وتفضيل التوازن
يبرز التساؤل الأهم في الشارع المصري والعربي: لماذا غابت مصر، صاحبة أحد أقوى الجيوش وأكثرها خبرة في المنطقة، عن هذا الحلف؟
إن عدم انضمام مصر ليس انعكاسًا لعزلة، بل هو قرار استراتيجي متجذر في العقيدة السياسية والعسكرية المصرية، القائمة على الآتي:
الاستقلالية التامة وعدم التبعية للمحاور: تفضل القاهرة دائمًا الحفاظ على حرية قرارها الوطني واستقلال سيادتها العسكرية، رافضةً الدخول في أحلاف تعاقدية قد تفرض عليها التزامات قتالية خارج حدود أمنها القومي المباشر، وفق استراتيجية الدفاع عن بوابات مصر الاستراتيجية.
عقيدة الدبلوماسية وحل النزاعات: تؤمن الدولة المصرية بأن الأزمات الإقليمية المركبة تُحل عبر الحوار السياسي والدبلوماسية وبناء الجسور، وليس عبر بناء التكتلات العسكرية الاستقطابية التي قد تؤجج الصراعات بدلًا من إخمادها.
الأولوية الاقتصادية والتركيز الداخلي: تضع القيادة المصرية نصب عينيها أولوية الاستقرار الاقتصادي والتنمية الشاملة، وتجنب أي أعباء استراتيجية أو عسكرية باهظة خارج مجالات الأمن القومي الضيقة.
الشبكة المتوازنة للعلاقات الدولية: تحافظ مصر على شعرة معاوية وعلاقات استراتيجية متوازنة مع كافة القوى الإقليمية والدولية؛ فالانخراط في محور دفاعي محدد قد يقيد مرونة الدبلوماسية المصرية، ويُفقدها دور الوسيط المقبول من الجميع.
مستقبل التحالف
تُعد «اتفاقية مكة» محاولة هيكلية جريئة لملء الفراغات الأمنية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، لكن هناك قلقًا مستمرًا من احتمالية اختلاف أجندات الدول الثلاث في ملفات قد تكون خارج نطاق الدفاع المباشر، وهو ما قد يختبر تماسك البند المتعلق بالدفاع المشترك.
كما أن بقاء مصر خارج هذا الإطار يبعث برسالة واضحة مفادها أن امتلاك القوة العسكرية الضخمة لا يستوجب بالضرورة الانخراط في الأحلاف العسكرية. فبالنسبة إلى القاهرة، يظل الحفاظ على توازن العلاقات، وتغليب لغة الدبلوماسية، وحماية الأمن القومي بمرونة مستقلة، هو الخيار الأكثر استدامة وحكمة في عالم متقلب.