قبل أذان المغرب بدقائق، يتشكل طابور طويل أمام مائدة رحمن في حي من أحياء مدينة 6 أكتوبر أطباق بلاستيكية وتمر ومياه وأصوات متداخلة تبحث عن مكان لكي تجلس في التوقيت نفسه، وعلى بعد حوالي 20 كيلومترًا تغلق إدارة خيمة رمضانية خمس نجوم باب الحجز بعد اكتمال العدد، ويقف موظفو الاستقبال يراجعون أسماء المدعوين على قوائم إلكترونية.
المشهدان يحدثان في محافظة الجيزة نفسها، لكنهما يعكسان صورتين مختلفتين لرمضان في مصر أو لما يسميه البعض ساخرًا “مصر” و”إيجيبت”.
يقول عم سعيد، 57 عامًا، عامل باليومية فقد عمله قبل أشهر لـ موقع “القصة“: “أنا باجي هنا علشان وبقول “يارب الحق” لأن معاشي ما يكفيش أسبوع كيلو اللحمة بقى حلم اني اجيبها دلوقتي و المائدة دي اللي بتخلي رمضان يعدي”
على مقربة منه، تضيف أم أحمد، لـ موقع “القصة“، ربة منزل: “زمان كنا بنعمل عزومات. دلوقتي بنحسبها بالورقة والقلم. حتى الياميش بقينا نشتريه بالجرام”.
تراجع القدرة الشرائية للمواطنين
تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن معدلات التضخم السنوي خلال العامين الماضيين انعكست بشكل مباشر على أسعار السلع الغذائية، وهي الأكثر استهلاكًا في رمضان ويؤكد الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي، في تصريح خاص لـ موقع “القصة“، أن القدرة الشرائية للأسر تراجعت بوضوح، خصوصًا لدى الطبقة المتوسطة والدنيا المواسم الدينية تكشف هشاشة الدخول، لأن الإنفاق يرتفع بينما الدخل ثابت.
ويضيف الخبير الاقتصادي، أن ما نراه ليس تباينًا عابرًا في أنماط الاحتفال، بل انعكاسًا لبنية اقتصادية ضاغطة هناك أسر أصبح الإفطار خارج المنزل بالنسبة لها ترفًا مطلقًا، في حين أنه نشاط اجتماعي اعتيادي لفئات أخرى.
خيام رمضانية
في المقابل، داخل إحدى الخيام الرمضانية في منطقة الشيخ زايد، تقول ع. أ، 29 عامًا، تعمل في شركة متعددة الجنسيات لـ موقع “القصة”: “إحنا بنستنى رمضان عشان الأجواء دي الموضوع مش أكل بس، ده تجربة كاملة”.
ويضيف شاب آخر: أكيد الأسعار عالية، بس دي مرة أو مرتين في الشهر بنعتبرها مناسبة خاصة، بالإضافة إلى أن شهر رمضان بيجي مره في السنه ولازم نعيشه بكل الأجواء الجميلة دي.
تكلفة الإفطار في بعض الخيام الكبرى تصل إلى ما يتجاوز متوسط دخل شهري كامل لعامل يومية، بحسب رصد ميداني أجرته “القصة”، لأسعار عدد من الخيام والفنادق الفارق لا يقتصر على نوعية الطعام، بل يمتد إلى طبيعة التجمعات وطريقة تقديم الشهر وحتى حضوره على وسائل التواصل الاجتماعي.
تعمق الشعور بالفجوة
تقول الدكتورة مروة ماهر، أستاذة علم النفس الاجتماعي في تصريح خاص لـ موقع “القصة“: عندما تتحول الطقوس الدينية إلى مساحة عرض اجتماعي، يتغير إدراك الناس لقيمتها المقارنة المستمرة عبر الصور تعمق الشعور بالفجوة، خصوصًا لدى الشباب.
وتضيف ماهر، أن الإحساس بالانتماء يتأثر عندما يشعر الفرد أنه خارج المشهد الاحتفالي السائد.
من جانبه، تقول سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع في تصريح خاص لـ موقع “القصة“، إن مصطلح إيجيبت الذي يتداوله الشباب يعبر عن إحساس بوجود مجتمعين داخل الدولة الواحدة رمضان يبرز هذا الإحساس لأنه شهر جماعي بطبيعته حين تختلف التجربة الرمضانية جذريًا بين حي وآخر، يصبح الشهر نفسه مؤشرًا طبقيًا.
في أحد الشوارع الشعبية، كان شاب عشريني يوزع أكياس تمر على المارة قبل الأذان، قال: “إحنا بنحاول نخلي رمضان زي زمان مساعدة بين الناس علشان نكسب الثواب وتحسس الناس أن الدنيا لسه بخير”.
على بعد مسافة ليست بعيدة، كانت فرقة موسيقية تستعد لبدء فقرتها في خيمة فاخرة.
في المدينة نفسها ينطلق الأذان من مسجد واحد، لكن كل مائدة تسمع النداء بطريقتها، بين “مصر” التي تحسب تكلفة الوجبة، و”إيجيبت” التي تحجز تجربة كاملة، يبدو رمضان مساحة واحدة بتجربتين متوازيتين، تكشفان أكثر مما تخفيان عن شكل المجتمع اليوم.